Get Adobe Flash player

 

يبدو لبنان وهو ينهار اقتصادياً ومالياً ويقف على شفا شهر الهاوية، قادراً على صناعة معجزات مقلوبة تكشف العجز الذي يصيب المؤسسات ويظهر شللها عن ممارسة دورها ومسؤولياتها التي تفرضها الظروف القاهرة التي تخيّم على لبنان واللبنانيين، فتتحول الدولة جزراً مستقلة، كل يمسك في جيبه نصف نص دستوري أو قانوني، ويحتمي وراءه لاختراع صلاحيات تتصل بتكوين المؤسسات، ويستثمرها لتعطيل المؤسسات وتجاوزها، بحيث يبدو لبنان متجهاً بسرعة الانحدار نحو القاع، وتبدو لحظة الاصطدام وشيكة، من دون أن يبدو أن هناك من يرفّ له جفن، ممن يفترض انهم أصحاب القرار.

 

في ملف ترسيم الحدود البحرية الجنوبية، تجد قيادة الجيش التي أنيطت بها مهمة التفاوض، بعدما قام خبراؤها بتحقيق إنجاز وطني كبير برسم خرائط تظهر وتحفظ الحق اللبناني، أسبابها لخوض معركة الدفع باتجاه توقيع مرسوم تعديل الخرائط وإيداعها لدى الأمم المتحدة، وبعدما خاضت معركة الدفع باتجاه توقيع الوزراء ورئيس حكومة تصريف الأعمال تخوض بصورة غير مباشرة عبر وسائل الإعلام وبعض الشخصيات معركة الضغط على رئيس الجمهورية لفعل المثل، بينما يخرج آخرون لوضع هذه الحملة كدلالة على انحلال المؤسسات، وغيابها كمرجع ناظم للصلاحيات والأدوار، ويصل آخرون إلى ربط هذا الانفراد بحسابات سياسية.

في ملف الترسيم أيضاً، يجد رئيس الجمهورية والفريق الرئاسي أسباباً دستورية تنطلق من صلاحيّة الرئيس الحصرية في قيادة أي تفاوض، للقول إن مهمة الآخرين جميعاً، تنتهي عند حدود تحضير المعطيات وتنفيذ التوجيهات، ويبقى الرئيس وحده صاحب القرار، وأنه لا يضير الرئيس أن يستخدم توقيعه على المرسوم الذي وقعه الآخرون وبات على طاولته ينتظر التوقيع الأخير، لتحسين وضع لبنان التفاوضي وحفظ حقوقه، من دون تهوّر يغلق باب التفاوض، وتهاون يسقط الحقوق. ويعتقد هؤلاء أن كل إثارة للغبار حول موقف رئيس الجمهورية هو لعب في السياسة، بعيداً عن روح المسؤولية وعن فهم الصلاحيات الدستورية والقانونية، بينما يقول خصوم رئيس الجمهورية إن خلطاً رئاسياً يجري بين التفاوض وحفظ الحقوق لتفاوض سياسي آخر على مسائل أخرى، ليست ذات صلة بالمصالح الوطنية، بل بالحسابات الفئوية التي تخص مصالح طرف سياسيّ محسوب على الرئيس له مطالب في الملفات الحكوميّة وغير الحكوميّة.

في الملف الحكومي، كما يضع رئيس الجمهورية حقه الدستوري في التفاوض في جيبه وحقه الدستوري في التوقيع على مراسيم تشكيل الحكومة في جيب آخر، يضع الرئيس المكلف بتشكيل الحكومة التكليف في جيبه وتذاكر السفر في جيب آخر، ويستثمر صفة الرئيس المكلف وكأنها صفة دستورية كاملة، وهي لم تكتمل، فإن كان يفاوض على شؤون تتصل بالدولة فهو غير مكتمل الصفة للتفاوض، وإن كان يقدم التزامات فهو يلتزم بما لا يملك، وإن كان يستثمر الصفة لصناعة رصيد شخصيّ في العلاقات الدولية فتلك من الآثام الوطنية والدستورية، لكن الرئيس المكلف وفريقه يجدون في التكليف من دون اكتمال العملية الدستورية لتشكيل الحكومة، ما يكفي لجعل الرئيس المكلف على سويّة دستوريّة مع رئيس الجمهورية، فهو منتخب من النواب مثله، وتوقيعه ملزم على تشكيل الحكومة مثله، ولأنه لا ينوي الاعتذار فهو عاجلاً أم آجلاً رئيس حكومة كامل الصفات، ولا ضير في أن يستثمر الوقت الفاصل عن ذلك في تهيئة الأجواء الخارجية التي يحتاجها لبنان وحكومته، لتوفير الدعم الخارجي للبنان، ويجد بعض الأشد حماساً من مؤيدي الرئيس المكلف ما يقولونه عن صلاحيّة أوسع للرئيس المكلف في إنشاء الحكومة، من صلاحيات توقيع رئيس الجمهورية، واعتبار انه يمثل الحكومة لأنه يشكلها فهي حكومته وتحمل اسمه، ومعني بإثبات قدرته على استثمار الوقت اللازم حتى يقتنع رئيس الجمهورية بذلك، في فعل ما سيفعله بعد أن تتشكل الحكومة.

في الشأن المالي والمصرفي مشهد لا يقلّ تعبيراً عن المعجزة اللبنانية بالمقلوب، فالتدقيق الجنائي الذي أقرّته الحكومة قبل سنة، لم يبدأ بعد، ولم يكن صدور قانون رفع السرية المصرفية الذي طلبه مصرف لبنان لتسليم الوثائق المطلوبة، كافياً ليفعل المصرف ذلك، ويجد حاكم مصرف لبنان من الصلاحيّات في النصوص ما يجعله يجاهر بأنه يقوم بواجباته القانونية، ومثل ذلك صدر قانون الدولار الطلابي ولا يزال يجرجر بين أروقة المصارف وحزم مصرف لبنان الغائب، من دون أن يصل المال المطلوب الى المستحقين، وفي الدعم الفالت تمّ استهلاك دولارات المودعين بدلاً من إعادتها اليهم، ضمن ضوابط قانونية وفواصل زمنية وسقوف للقيم المالية، بما يتيح تغذية السوق بالدولارات اللازمة لتغطية حاجات الاستيراد، ويلقي مصرف لبنان المسؤولية على الحكومة وهي بدورها تلقي المسؤولية عليه، وتضيع أموال اللبنانيين، ويقترب لبنان من الانهيار.

في الشأن القضائي، تجد القاضية غادة عون من وجاهة قضية مكافحة الفساد وحماية حقوق اللبنانيين وأموالهم، ما يكفي من الأسباب لملاحقتها كشف التحويلات التي هربت أموال المصارف الى الخارج، ويجد مؤيدوها أسباباً كافية للقول إنها قاضية مقدامة وشجاعة فعلت ما لا يجرؤ سواها على فعله، ويقدمون أسباباً قانونية للقول إنها تتحرك ضمن صلاحياتها القانونية بينما يتهرّب سواها من ممارسة صلاحياته، ويخترع من بين سطور النصوص صلاحيات لكفّ يدها، بينما يخرج مدعي عام التمييز ومن خلفه قانونيون وسياسيون وإعلاميون يصفون تحرّك القاضية غادة عون بالانقلاب، ويعتبرونه تهديداً للانتظام العام وتبشيراً بأحكام عرفية ومحاكم تفتيش، ولا يترددون بوصفه بالعمل الميليشياوي بعدما صدر قرار كفّ اليد عن مدعي عام التمييز بحقها، وتدخل وزير العدل على الخط فيزيد الانقسام بدلاً من أن يحسم الأمر، ولا أحد يعلم ماذا سيكون عليه الحال بعد انعقاد مرتقب اليوم لمجلس القضاء الأعلى.

– المعجزة اللبنانية بالمقلوب مستمرّة وتتمدّد، ومزيد من المؤسسات تنقسم وتتلاشى وتتبدّد، ولبنان ذاهب الى القعر بقوة الاندفاع السريع، ولا أحد يرفّ له جفن ولا من يتردّد.