Get Adobe Flash player

يعتقد الكثيرون ان مسار الاستقلال عن الاحتلال الفرنسيّ وجلاء القوات الفرنسيّة عن لبنان وسورية كان واحداً، بمثل ما يعتقدون بأن مسار الانتداب كان واحداً، ولذلك لا ينتبه الكثيرون إلى أن اللبنانيين يحيون يوم 22 تشرين الثاني كعيد للاستقلال نسبة الى 22 تشرين الثاني عام 1943، اليوم الذي أفرجت فيه سلطات الاحتلال الفرنسي عن رئيس الجمهورية بشارة الخوري ورئيس الحكومة رياض الصلح وإعلانها القبول باستقلال لبنان، ويكاد يسقط من التاريخ يوم 31 كانون الأول 1946، وهو يوم جلاء الاحتلال الفرنسي عن لبنان، بينما يحتفل السوريون بيوم 17 نيسان 1946 بصفته اليوم الوطني لسورية، وهو موعد جلاء الاحتلال الفرنسي عن سورية ويكاد يُنسى من تاريخهم يوم 14 آذار 1936 كيوم للاعتراف الفرنسيّ باستقلال سورية.

 

الفارق الأول يبدأ من مسار الانتداب الواحد على لبنان وسورية، وقد قام على توحيد لبنان وتقسيم سورية، فتوازى الإعلان عن سلطات الانتداب مع إعلان لبنان الكبير بضمّ جبل لبنان والأقضية الأربعة، مع إعلان تقسيم سورية الى عدة دويلات، وردت في قرار ذاته للجنرال غورو لإعلان لبنان الكبير. فاليوم الذي يحيي فيه اللبنانيون ذكرى مئوية لبنان الكبير كيوم وطنيّ لولادة لبنان السياسي الجديد، يعتبره السوريون يوماً أسود أُعلن فيه تقسيم سورية الى دويلات منفصلة هي وفق التسميات التي وردت في القرار نفسه بالإضافة لدولة لبنان الكبير كل من دولة دمشق ودولة حلب ودولة العلويين ودولة جبل الدروز ولواء الإسكندرون المستقل الذي منح للأتراك لاحقاً في اتفاقيتي لوزان وسيفر. فكان لبنان الكبير الموحّد جمعاً لخمس ولايات وكانت الدويلات السورية الخمس تقسيماً لسورية الواحدة، ومثلما كان على لبنان خوض غمار مخاض بناء وحدة وطنيّة في الكيان الوليد في ظل مواقف متباينة لمكوّناته من التعامل مع الاحتلال الفرنسيّ وإعلان لبنان الكبير، كان على السوريين ترجمة موقفهم الموحّد المقاوم للاحتلال الفرنسي عبر النضال لإسقاط الدويلات التي قسمت سورية، لاستيلاد سورية الموحّدة، التي تكرّست بقوة المقاومة يوم الجلاء في 17 نيسان، رغم ولادة الإطار السياسي لسورية الموحّدة مع معاهدة 1936 التي اعترفت بموجبها فرنسا بالدولة السورية الموحّدة في مفاوضات قادها فارس الخوري وجميل مردم وسعدالله الجابري، بعد ثورة مسلّحة امتدت لأكثر من خمس عشرة سنة وعصيان مدنيّ توج بالإضراب الستيني الذي عم كل الأنحاء السورية، وشملت المواجهة خلال عقد ونصف كل الأراضي السورية وسقط فيها أكثر من أربعة آلاف شهيد، بدأت باستشهاد وزير الدفاع السوري يوسف العظمة في ميسلون (1920) وانتهت بقصف البرلمان السوري وما عُرف بمجزرة دمشق (1945) وبينهما قصف دمشق بالطائرات عام 1925.

تمكّن اللبنانيّون من صياغة إطار سياسي لوحدة لبنان الكبير في ظل الانتداب وصولاً لطلب الاستقلال، بعد مشاركة المحافظات الأربع التي رفضت الانضمام الى لبنان الكبير في الثورة السورية عام 1920، ليبدأ مسار سياسي غابت معه هذه المقاومة تدريجياً بعدما أُعدم أحد قادتها ادهم خنجر 1922 وتوفّي شريكه في قيادة المقاومة صادق الحمزة 1926، لينطلق مسار سياسيّ بين اللبنانيين لتسلم الدولة التي أنشأها الاحتلال وتضمّنت صيغة لوحدتهم، فيما تمكن السوريون من صياغة مشروعهم للمقاومة واستعادة الوحدة في مواجهة مفتوحة سياسية وشعبية وعسكرية مع الاحتلال الفرنسي، لإسقاط الدويلات التي أنشأها الاحتلال وإنتاج دولتهم السورية الدستورية الموحّدة، فكان عبد الرحمن الشهبندر وسلطان باشا الأطرش وابراهيم هنانو وصالح العلي وفوزي القاوقجي وآخرين في كل أنحاء سورية، وصولاً لإلزام الاحتلال بالاعتراف بوحدة سورية واستقلالها، ويصير إطار الدولة السورية أحد عناوين المواجهة السياسية للاحتلال طلباً للجلاء، فيما المقاومة الشعبية والمسلحة مستمرتان عاملاً رئيسياً وحاكماً للمسيرة الوطنيّة السوريّة حتى تحقق الجلاء في نيسان 1946.

– الذي لا ينتبه له البعض هو أن التاريخ السوري ليس منفصلاً عما يعيشه السوريون اليوم من جمع لمعركتي الوحدة والجلاء. ومثلما كان في النصف الأول من القرن الماضي هناك من يركب موج الاحتلال والتقسيم بشعارات الخصوصية والحرية والليبرالية والطائفية، يتكرّر المشهد اليوم، ومثلما شكلت الدولة السورية الموحّدة إطاراً سياسياً ودستورياً لتمسك السوريين باستقلالهم ووحدتهم، يتكرر المشهد اليوم، ومثلما طلب السوريون جلاء الاحتلال وأسقطوا مع الجلاء بصورة نهائية معالم الدويلات، يتكرّر المشهد اليوم، لذلك يقارب السوريون الاستحقاق الرئاسي خلال الأسابيع المقبلة من زاوية واحدة، استقلال ووحدة سورية، ورمزية الدولة الدستورية السورية الواحدة، وينظرون لإعادة انتخاب الرئيس بشار الأسد كتعبير عن هذه الرمزيّة الجوهريّة في هذه المعركة، فيحيون من خلالها عيد الجلاء.