Get Adobe Flash player

يشكل الحديث عن مرسوم تحديد المنطقة الاقتصادية البحرية الخالصة للبنان عنواناً سياسياً راهناً، وسط رأيين واحد مصرّح به علناً وآخر يتم تداوله في الكواليس. الأول المعلن يقول إن خط الفرز بين الوطنية والخيانة يتمثل بالسير بمرسوم تعديل الحدود البحرية، منعاً لبقاء المرسوم السابق الذي يعتمد منطقة اقتصادية خالصة تعادل ثلث المنطقة التي تظهرها الخرائط الجديدة المعتمدة من قيادة الجيش اللبناني، وبقاء المرسوم السابق الذي تمّ إيداعه لدى الأمم المتحدة قيّد على الوفد المفاوض على حدود جديدة، هذا عدا عن ان بقاء المرسوم السابق ساري المفعول سيقطع طريق أي احتجاج أو اعتراض على قيام كيان الاحتلال بالتنقيب في مناطق داخل المنطقة الاقتصادية الجديدة، ويفقد اي محاولة لمنع هذا العمل العدوانيّ مصداقيته.

 

بالمقابل يقوم الرأي الآخر على اعتبار إصدار مرسوم جديد وإيداعه لدى الأمم المتحدة، سابقة لا يمكن القيام بها من دولة في حال تفاوض، إلا في إحدى حالتين قبل بدء المفاوضات أو بعد فشلها، لأنه عملياً يعلن أن هذه الحدود الجديدة غير قابلة للتفاوض ما يطرح سؤالاً مبرر الاستمرار بالمفاوضات بعد إيداع المرسوم الجديد، أو على الأقل السؤال من سيتحمل مسؤولية أي تنازل في التفاوض ولو بسنتيمتر واحد عن الحدود التي رسمها المرسوم، وماذا سيكون وضع المقاومة التي تعهدت حماية أي حدود تعلنها الدولة عبر مؤسساتها حدوداً سيادية، وعند أي خط حدودي سترسم سقف حمايتها، الحدود التي ينص عليها المرسوم أم تلك التي تصل اليها المفاوضات، والسؤال الأهم هو هل مصلحة لبنان بوقف التفاوض؟ وهل يستغني لبنان عن استثمار حقوقه في الغاز إذا تجمد التفاوض، أم النتيجة الطبيعية ستكون وقفاً مؤقتاً للتفاوض وللاستثمار، ثم العودة للتفاوض تحت ضغط الحاجة والمصلحة، والقبول بما هو دون ما ينص عليه المرسوم فيخرج كيان الاحتلال منتصراً، وينكسر لبنان ومعه مقاومته!

بين الرأيين ثمة مداخلة دستورية تقول إن الحدود البرية قد أدرجت بمادة دستورية، حيث نصّت المادة الأولى من الدستور على هذه الحدود بالتفصيل، ويومها لم يكن ثمة أصول لوضع الحدود البحرية للدول، وفي ظل تغير القواعد القانونية لترسيم الحدود وظهور قاعدة الحدود البحرية، صار لزاماً ضم هذه الحدود الى المادة الأولى من الدستور، ما يستدعي الانفتاح على فرضية تتضمن بلوغ هذه المرحلة، بعد تثبيت هذه الحدود البحرية جنوباً وشمالاً بصورة نهائية، والابتعاد عن أي صيغ قانونية ملزمة تكون قابلة للتعديل ولو جزئياً قبل ان تستقر على وضع نهائي، سيكون ملزماً تضمينه للدستور بموجب مشروع قانون دستوري، ولذلك يجب البحث بصيغ تحفظ الحقوق اللبنانية وتحقق المرتجى من خارج التجاذب السياسي، وبعيداً عن مزايدات تنتهي بإضعاف موقع لبنان وتظهيره منكسراً عند أي نتيجة تفاوضية، أو تضعه خارج التفاوض.

بين الرأيين ثمة رأي ثالث يقول بأن يعتمد لبنان بديلاً عن المرسوم المقترح، مراسلة توجهها وزارة الخارجية الى الأمين العام للأمم المتحدة، بموجب قرار صادر عن مجلس الوزراء، ولو بمرسوم، لكنه ينص على أن تتضمن المراسلة إبلاغ لبنان للأمم المتحدة تعليق العمل بالمرسوم السابق وما تضمّنه من خرائط، وإيداع الخرائط الجديدة بصفتها حاصل الدراسات القانونية والتقنية للخبراء اللبنانيين، وطلب المعونة التقنية الأممية وفقاً للقانون الدولي لتدقيق هذه الخرائط، وتحذير كيان الاحتلال من أي تجاوز لها والتنقيب داخلها، حتى يتم تثبيت الحدود النهائية للمنطقة الاقتصادية الخالصة للبنان وتوثيقها لدى الأمم المتحدة. ويعتقد أصحاب هذا الرأي الثالث أنه يضمن الحفاظ على حقوق لبنان التي يريدها أصحاب المرسوم، ويحفظ حق لبنان التفاوضي وجعل كل نتيجة ينتهي اليها الوفد التفاوضي الذي يجمع وراءه اللبنانيون إنجازاً وطنياً، ويجعل الخرائط الجديدة في حال الفشل التفاوضي وإعلان الانسحاب منها، حدوداً نهائية تتخذها المقاومة سقفاً لالتزامها بالحماية، من دون أن يضعها في إحراج المفاضلة بين ما ينص عليه المرسوم وما تنتهي اليه المفاوضات!

– في زمن اللاعقلانية قد يكون ثمّة مساحة لعقلانية تميز القضايا الاستراتيجية عن القضايا التي يسمح بالزجّ بها في اللعبة السياسية الداخلية، وربما في ألاعيب خارجية تحت الطاولة تتم عبر غض النظر عن مواقف في ظاهرها تشدّد وفي نهايتها إحراج وربما انكسار، تمنح كيان الاحتلال انتصاراً، بخلاصة التفاوض، بينما الواجب يقتضي حفظ موقع لبنان منتصراً بكل ما ينجح بتثبيته من مكاسب حدودية يحققها ويرتضيها الوفد المفاوض الذي يحظى بعلمه ووطنيته بالإجماع.