Get Adobe Flash player

 يُظهر شهران من عمر ولاية الرئيس الأميركي جو بايدن ملامح خطته الاستراتيجية، القائمة على السعي لتبريد النزاعات التي أشعل فتائلها الرئيس السابق دونالد ترامب، خصوصاً في منطقة الشرق الأوسط، حيث لا منافس استراتيجياً للأميركي، ولو اقتضى ذلك الانخراط في تسويات مع خصوم استراتيجيين كإيران، تحت شعار العودة للاتفاق النووي أولوية، كما صرّح بايدن وأركان إدارته، بهدف التفرغ لمواجهة التنافس الاستراتيجي مع كل من الصين وروسيا، كل على جبهة، لكن التجربة أظهرت خلال الشهرين بطء الحركة الأميركيّة من جهة وارتهانها لحسابات أميركية داخلية، ورهانها على لعبة التذاكي في بحث الخطوة الأولى ومن يبدأ مسيرة العودة للاتفاق النووي، واشنطن أم طهران، بحيث بدا وفقاً لتوصيف وزير الخارجية الأميركية توني بلينكن أن طهران مرتاحة على وقتها، وتمضي سريعاً نحو ما يسمّيه الأميركيون «الاقتراب من لحظة امتلاك مقدرات إنتاج سلاح نوويّ»، وبدا أن بكين وطهران وموسكو على درجة عالية من اليقظة للتذاكي الأميركي بمقايضة التسويات بالمواجهات، كدواسة البنزين والكابح، مرة هنا ومرة هناك.

 

لا تبدو أميركا مختلفة كثيراً عن أوروبا، التي أضاعت عامين ذهبيين كانت إيران جاهزة خلالهما لتوقيع عقود تعاون استراتيجي اقتصادية بمئات مليارات الدولارات مقابل التزام أوروبي بموجبات التوقيع على الاتفاق النووي، وخسرت ما كانت قد حازته سابقاً مع توقيع الاتفاق، لأنها ضبطت إيقاع خطواتها على تحرك الأقدام الأميركية. ويبدو الأميركيون والأوروبيون منقطعين عن الواقع، لا ينتبهون أنهم يتعاملون مع روسيا جديدة وصين جديدة وإيران جديدة، فيقاربون القضايا الجديدة بعقلية قديمة، ويعتقدون أنهم اللاعب الذي يملك حق النقلة الأولى، ويرسم عبرها سياق المباراة، فيتوهّمون ثلاثة أشياء خاطئة؛ يتوهمّون أنهم قادرون على إنجاز تسوية مع إيران على توقيتهم، وبشروطهم، ثم يتوهّمون أنهم قادرون على إغراء إيران بالتسوية لتبتعد عن الصين فيستفردونها، ثم يتوهمون ثالثاً أنهم قادرون على إغراء إيران واحتوائها والاستفراد بالصين لعرض تسويات جزئية على روسيا، بشروط تقوم على المساومة على دور إيران وحلفائها، خصوصاً في سورية، ولم ينتبه الأميركيون، وصدّق الأوروبيون روايتهم، ولم ينتبهوا مثلهم، إلى أن بكين وموسكو وطهران قد بدأت تتصرف كحلف قيادي لثلاثي آسيوي يرسم مصالح القارة وجغرافيتها السياسية والاقتصادية، ويعرض على واشنطن وحلفائها أحجاماً وأدواراً تتناسب مع حاصل المتغيرات التي حملها العقدان الأخيران.

تقول وثيقة زعامة القرن الحادي والعشرين الأميركية، التي أعدّها المحافظون الجدد، أن مواجهة العقدين الأولين من القرن الحادي والعشرين ستقرّر مصير القرن، وها هي تقرّر. فروسيا والصين وإيران منذ أربعة عقود ترى أن الاهتمام الأميركي بأفغانستان كان في أحد وجوهه هادفاً لمنع تلاقيها، الذي توفره الجغرافيا الأفغانيّة، وتدرك أن آسيا القارة التي تمثل ثلاثة أرباع العالم، في كل شيء، قد نضجت اقتصادياً وإنتاجياً ومالياً وعسكرياً وسياسياً لتتصرّف ككيان مستقل تجمعه المصالح المشتركة ووحدة الجغرافيا. فوفقاً لمعيار الناتج الإجمالي بأسعار الاستهلاك أصبحت الصين الدولة الأولى بناتج 25 تريليون دولار لعام 2018، المعتمد من البنك الدولي، وليس 14 تريليون كما يظهر حساب الناتج وفقاً لمعادل سعر صرف الدولار الأميركي، مقابل 20 تريليون لأميركا، وروسيا وفقاً لتقديرات حلف الناتو قد تخطت لحظة التوازن العسكري التقليدي والاستراتيجي مع القدرة العسكرية الأميركية، ووقف سباق التسلح صار مصلحة غربية، بينما إيران تمسك بالمنطقة الأهم في العالم التي يمثلها الشرق الأوسط، بعد عقدين من المواجهة المستحيلة التي خاضتها واشنطن وحلفاؤها وانتهت بالفشل، ووفقاً لقراءة موسكو وبكين وطهران أن آسيا التي تشكل روسيا أقصى شمالها وتشكل الصين أقصى شرقها، تشكل إيران قلبها الأكثر استقراراً، ورغم ما تملكه واشنطن من قواعد وتحالفات في آسيا فهي قد صارت قوة هامشيّة، تقاتل على خطوط الجنوب والغرب، بينما قواعدها في تركيا والسعودية وأذربيجان وأفغانستان والعراق وكوريا الجنوبية صارت عبئاً عليها. وعلى جبهات الغرب تواجه أميركا روسيا شمالاً في بحر الشمال، وتتراجع، ووسطاً تواجه أميركا في سورية وتخسر، وجنوباً تواجه أميركا في اليمن وتخسر، وعلى جبهة الجنوب الشرقي تكفي كوريا الشمالية لإنشاء توازن ردع مقابل حلفاء واشنطن مجتمعين.

– يأتي اتفاق التعاون الاستراتيجي الاقتصادي بين الصين وإيران من جهة، واتفاق التعاون السياسي والعسكري الاستراتيجي بين إيران وروسيا من جهة أخرى، عنواناً للعالم الجديد الذي لا تنتبه له واشنطن والعواصم الأوروبية، فزمن البيع والشراء الأميركي بين العواصم مع واشنطن، ليساوم الحليف على حليفه ويبيع الواحد فروة رأس الآخر طلباً لينجو بفروة رأسه هو زمن ولّى، والسرعة التي يسير بها الثلاثي الآسيوي لا يشبهها بطء البطة العرجاء الأميركية، فيأتي دائماً متأخراً، وعندما يريد التصحيح، يكون الزمن قد فات.