ينشغل الأطراف السياسيّون بالإجابة عن سؤال، مَن يتحمّل مسؤولية التعثر في ولادة حكومة تشكل نقطة البداية في أي مسار للنهوض، ويتقاذفون وفقاً لتموضعهم السياسي هذه المسؤولية، فيما يشكل التصعيد بالنسبة للفريقين الرئاسيين المعنيين بتشكيل الحكومة، وسيلة مشتركة لشد العصب الطائفيّ وشحذ الهمم في معركة يعتبرون أنها مستمرة بأشكال مختلفة، وتستنفر الماكينات الإعلاميّة لشيطنة الآخر، وربط الخلاص برحيله، والكل يعلم أن لا طريق لترحيل الرئيس المكلف، كما يعلمون أن لا طريق لترحيل رئيس الجمهورية، وأن الطريق مسدود أمام اللبنانيين، وأن الخارج القادر على تذليل العقبات دولياً وإقليمياً، لا يجد لبنان ضمن أولويّاته، أما الآخر الذي يبدي اهتماماً فلا يملك إلا المناشدة وتجديد الدعوات، فيصير كل شيء تعبيراً عن خريطة طريق نحو الانهيار.

 

يراهن البعض على المزيد من الضغط المالي والمزيد من الاحتقان الذي يؤدي إلى التبشير بالفوضى، وكأنها ستحرّك المعنيين لتقديم تنازلات متبادلة. وهذا الرهان تمّ اختباره في الجولة الأخيرة من التفاوض الحكوميّ، وثبت أنه لحس مبرد يقرّبنا من السقوط. ويراهن بعض آخر على تنامي عناصر التأزم لاستدراج تدخلات تتيح تقديم ضمانات للأطراف الداخلية يحتاجونها لتذليل عقد التأليف. وهذا الرهان قد تمّ اختباره أيضاً في الجولة الأخيرة، وقيل الكثير عن موفد رئاسي فرنسي سيصل الى بيروت، لكن النتيجة كانت صدور بيانات تحثّ على التعاون لتشكيل حكومة، ويراهن بعض ثالث على أن التأزم سيولد حركة مستقلة في الشارع وقد ظهر أن الشارع الذي يظهر هو شارع الأحزاب، أو أجهزة داخليّة وخارجيّة تستعمل الشارع لإيصال رسائل.

الرهان على تفعيل حكومة تصريف الأعمال، منعاً للفراغ القائم، يختلف عن الرهان على هذه الحكومة لمنع الانهيار، فأدوات منع الانهيار غير متوافرة لحكومة تصريف الأعمال، وأولها القدرة على إحداث صدمة إيجابية داخلية وخارجية، وسقف ما تستطيعه حكومة تصريف الأعمال هو تخفيف خسائر السير نحو الانهيار، ولوقت محدود لا يتعدّى الشهرين أو الثلاثة، يصير بعدها السقوط أو الانفجار خطراً داهماً، لا تملك حكومة تصريف الأعمال شيئاً لصدّه، ولذلك تصلح حكومة تصريف الأعمال كمحطة مؤقتة لتغطية وقت فاصل عن خطوة نوعيّة تليها، هي ولادة حكومة جديدة، أو شيء آخر يجب على الفريقين الرئاسيين إبلاغنا عن ماهيته.

قبول رئيس الجمهورية بصيغة حكوميّة تشكل أفضل ما يمكن التوصل إليه مع الرئيس المكلف، يفتح الباب لإسقاطها وإسقاط تكليف رئيسها، من خلال استقالة الوزراء المؤيدين لرئيس الجمهورية وحلفائه خصوصاً في حزب الله عند انحراف رئيس الحكومة عن مسار مقبول في مواجهة الأزمة، أو استعماله للغلبة التي يملكها في تشكيلته الحكوميّة، لتصفية حسابات سياسية، واعتذار الرئيس المكلف وترك الباب لرئيس الجمهورية ليختبر فرص ترميم الغالبية النيابية التي شكلت حكومة الرئيس حسان دياب، وهو أمر مشكوك في حدوثه بعدما توزعت هذه الغالبيّة على اتجاهات مختلفة تعقد فرص تماسكها، في ظل مواقف مكوّناتها المتباينة من الأزمة الرئاسية والحكوميّة، وإن تمّ تجاوز هذه التباينات فلتتحمل هذه الغالبية مسؤولية حكومة يعتقد الرئيس المكلف أنها ستفشل في التصدّي للأزمة، وتعيد البحث بخياراته مجدداً من موقع أفضل.

إذا كانت كل الطرق موصدة أمام كل الفرضيات، واذا لم يكن لدى الفريقين الرئاسيين وصفة لما تبقى من عمر العهد الرئاسيّ، وهو وقت لا يحتمل لبنان الذاهب الى الانهيار مواجهة متطلباته من دون حكومة، فهذا سيرفع من أسهم البحث بالانتخابات النيابية المبكرة، بمعزل عن الإطار الذي طرحت فيه قبل سنة، وبمعزل عن الأسباب الموجبة التي طرحها النواب الذين استقالوا، أو الذين يقاطعون المسار الحكومي، لتصير الانتخابات المبكرة مطروحة على طاولة النقاش بصفتها المدخل لفض الاستعصاء الناجم عن وجود رئيس للجمهورية ورئيس مكلّف بتشكيل الحكومة، لا يستطيع أحدهما إزاحة الآخر، ولا يستطيعان التوصل الى اتفاق، بالرغم من أن هذا الخيار يجب أن يبقى آخر الخيارات التي تطرح على الطاولة، لكن على الذين يرفضونه تمسكاً بولاية المجلس المنتخب، أن يتقدّموا ببدائل واقعية قادرة على فتح نافذة قابلة للتطبيق للخروج من الاستعصاء.