يترافق إعلان النيات الأميركي بالخروج من سياسات المراحل السابقة لعقدين ماضيين، التي توزعت بين الحروب المباشرة في عهد الرئيس السابق جورج بوش، والحروب بالوكالة في عهد الرئيس الأسبق باراك أوباما، والعقوبات القاتلة في عهد الرئيس السابق دونالد ترامب، مع محاولات تلمّس خريطة طريق لاستراتيجية بديلة تسعى لصناعة تفاهمات دولية إقليمية بأقل قدر ممكن من التنازلات التي تمسّ بهيبة ومكانة واشنطن العالمية، وتأمين ما يلزم لاستراتيجيتها القائمة على أولويّة المواجهة مع الصين وروسيا، من بوابة ما وصفه الرئيس الأميركي جو بايدن باستبدال مثال القوة بقوة المثال، بعناوين حقوق الإنسان وحماية البيئة ومكافحة الفساد، لأن واشنطن تدرك أن التخفف من أعباء المراحل السابقة بتسويات سيُبنى على موازين قوى أظهرتها مراحل المواجهة، كما تدرك أن الترسمل لمرحلة قوة المثال تستدعي تقليم أظافر وتحجيم حلفاء رئيسيين يترتب على إضعافهم تراجع النفوذ الأميركي لحساب الخصوم الإقليميين، ولذلك تختبر واشنطن بالتتابع سقوف التفاهمات التي تحاول تحقيقها، وكلما اكتشفت فشل تسويق سقف مرتفع تستبدله بسقف أدنى، وهي محكومة بالخشية من دفع أثمان يصعب ترميم التوازنات ما بعدها، أو الفشل بصناعة التفاهمات بسبب الأثمان المكلفة لها، أو تزعزع كيانات حليفة وتراجعها بسبب الترسمل على حسابها للمهمة المقبلة، أو ضياع فرص الترسمل بسبب الحرص على حماية هذه الكيانات وأدوارها الحليفة.

 

في الملف النووي الإيراني يتحكّم عامل الوقت الداهم على القرار الأميركي الذي لم يُخفِ الخشية من أن ينجم عن طول أمد التفاوض قبل العودة إلى الاتفاق النوويّ، نجاح إيران ببلوغ العتبة الخطرة، أي عتبة امتلاك إيران مقدرات كافية لإنتاج سلاح نووي. وهذا ما يشكل أولويّة أميركيّة عالميّة تختلف عن الأولويات الإقليمية المتمثلة بملفات تفرضها ساحات الاشتباك وتعقيداتها، حيث لا خارطة طريق أميركية واضحة بعد لكيفية التعامل معها، وفيما يبدو أن سورية تمثل أعقد الملفات، لتداخلها مع الأجوبة الصعبة على الأسئلة الصعبة، من نوع كيف سيكون أي تصوّر لسورية واقعياً من دون أن يضع في الاعتبار أن ميزان القوى لم يعد يسمح بفرض شروط على الدولة السورية التي تجاوزت مرحلة الخطر، وحيث روسيا وإيران وقوى المقاومة شركاء في الإنجاز، وكيف سيكون تأثير اي تصور واقعي على مستقبل أوزان وأحجام روسيا وإيران والمقاومة، التي لا يريد لها الأميركي أن تتعزّز، وكيف سيكون تأثير أيّ تصور واقعيّ لسورية على كل من «إسرائيل» وتركيا، ولكل منهما ملف خاص وحساس في رؤية الأمن والدور ضمن أي استراتيجية أميركية للمنطقة؟

يبدو أن الملف اليمني هو الملف المتقدم والأشد قدرة على رسم توازنات يمكن التأسيس عليها لملفات أخرى في الرؤية الأميركية، وفقاً للاختيار الأميركي الذي بدأ مقاربة أوضاع المنطقة بمقاربة الملف اليمني من زوايا عدة، واحد يتصل بإعلان واضح بالدعوة لوقف الحرب وتوصيفها ككارثة إنسانية يجب ان تتوقف وتحميل السعودية والإمارات مسؤولية استمرارها، وترجمة ذلك بإعلان وقف صفقات السلاح الأميركي إلى حكومتي البلدين، وثانٍ يتصل بالتقرب من أنصار الله عبر إلغاء تصنيفهم على لوائح الإرهاب، وثالث بإرسال وفد أميركي إلى عُمان لحوار أنصار الله. وهذه المقاربات الأميركية رغم وضوحها تبدو اختبارات تجريبية لما يمكن أن ترسو عليه التوازنات التي ستكون ذات تأثير موضوعي ومعنوي على سائر ساحات الاشتباكات، بحيث يبدو حجم المسافة الأميركية من الحليف السعودي مؤشراً يراقبه سائر الحلفاء في تل أبيب وأنقرة، وصولاً إلى منظمة قسد، ومشروع الدويلة الكردية شمال شرق سورية. وبالمقابل يمثل حدود ما يمكن قبوله في العلاقة مع أنصار الله مؤشراً يمكن القياس عليه لما سيكون ممكناً قبوله من خصوم واشنطن في ساحات أخرى كسورية ولبنان وسواهما، والفشل في التوصل لتفاهمات تنهي الحرب في اليمن كما النجاح مؤشرات لمستقبل المقاربة الأميركية في سائر الساحات.

– يشهد الملف اليمني سخونة غير مسبوقة، واستثمار الحد الأقصى لأوراق القوة من الطرفين السعودي واليمني. والأكيد أن التوازنات التي سيرسو عليها مستقبل المواجهة، على جبهة مأرب من جهة، وتوازن الردع الصاروخي من جهة مقابلة، سيكتب تاريخ اليمن والخليج وربما المنطقة بأسرها.