يبدي عدد من الناشطين المؤيدين لمحور المقاومة اهتماماً يعبّر عن جدية وصدقية بما يجري على الساحة الإعلامية في مختلف ميادين حضورها، بالتوازي والتزامن مع الضغوط الناجمة عن الحصار الاقتصادي ونتائجه على قدرات الناس على الصمود، وترد في حصيلة قراءة البعض منهم مخاوف من عنوانين يتم تداولهما في ساحات النقاش، الأول هو خطر استراتيجية الصدمة، المستوحاة من مشاريع وتجارب واختبارات في علم النفس الاجتماعي تقوم على محو الذاكرة وتأسيس ذاكرة بديلة مرتبطة بصدمة تبدل في اتجاه الاهتمامات وبناء الخيارات، ويحذرون من مخاطر أن تؤدي الأزمات الاقتصادية والاجتماعية إلى نتائج خطيرة على البيئة الحاضنة لخيار المقاومة في ساحات الاشتباك، تحت تأثير «هذه الصدمة»، التي تشبه مفاعيل كي الوعي التي انتهجتها قيادات كيان الاحتلال لعقود في محاولة ردع فكري استباقي لأي مشروع مواجهة. والثاني هو ما يقوله البعض عن فشل الإعلام المقاوم في مواجهة الحملات الإعلامية المناوئة والمستندة الى مقدرات هائلة، وخطط وبرامج ومؤسسات، ترسم الشعارات وتحدد الاستهدافات، وتعيد عمليات التقييم والتصويب بانتظام.

 

كي يستقيم نقاش الفرضيتين، يجب أن نخرج من البحث الافتراضيّ إلى المفردات الحسية التي يتبدّى من خلالها، مسار تحقق فعل الصدمة، أو تظهير الفشل، وهي حكماً مفردات تتصل بخيارات الناس وبالأخص البيئة الحاضنة للمقاومة في ساحات الاشتباك، وبغياب إحصاءات علميّة على هذا الصعيد يمكن الاستناد إليها، لا تتعطل عملية التقييم بتعويض هذا النقص بمؤشرات حسية ملموسة لا يمكن الطعن بصدقيّتها. فالواضح لأي باحث ان العراق وإيران واليمن وفلسطين، ساحات يمكن قياس فعل الصدمة ومقولة الفشل فيها بأدوات متشابهة تقريباً، وأن القضية المحورية التي يقصدها الباحثون في الحديث عن الصدمة والفشل تنحصر في لبنان وسورية، بشكل رئيسي، حيث الضغوط المعيشية مستجدة بالقياس لما كان عليه الحال لسنوات مضت، بخلاف اليمن وفلسطين وإيران، وحيث وجهة تحميل المسؤولية عن هذه الضغوط المعيشيّة تستهدف القيادة في سورية والمقاومة في لبنان، باعتبار أن سياساتهما أدّت إلى تصادم مع قوى إقليمية ودولية، ما تسبب بتصعيد المعاناة الاجتماعية لغالبية الناس، بينما يُستثنى العراق من هذا حيث الضبابية السياسيّة للحكم تتزامن مع ظروف معيشيّة لم تبلغ مرتبة ما يشهده لبنان وسورية.

في التدقيق بساحات الاشتباك تبدو فلسطين مستثناة من نظرية الصدمة والفشل، حيث الاستقطاب واضح منذ سنوات بين معادلات تصعيد المقاومة تحت عنوان فك الحصار، وحيث الخيارات مغلقة أمام التسويات بفعل السياسات الأميركية التي انضمّت كلياً الى تغطية عمياء لإلغاء اي أمل بحلول تسوويّة تعيد بعض الحقوق وتحقق بعض الآمال، كان ينقسم حولها الفلسطينيون فوحّدتهم، فكانت للصدمة والفشل معانٍ معكوسة، حيث كسب خيار المقاومة ساحات ومساحات جديدة لم تكن محسوبة في صفوفه خلال سنوات مضت، وانتقلت الصدمة والفشل الى ساحة الكيان الداخلية، وهي ليست موضع بحثنا. أما في المثال الإيراني فنجد أن إيران ترفض عروضاً سخيًة بنظر أصحابها الأميركيين للعودة إلى الاتفاق النووي، وتمضي هي بخطة تصعيد طلباً لتراجع واضح لا لبس فيه من الجانب الأميركي عن العقوبات، ويستغرب كل أصحاب نظرية الصدمة والفشل، كيف أن إيران التي تم الإفراج عن نسبة معقولة من ودائعها المجمّدة، لا تزال متمسّكة بطلب رفع العقوبات بصورة كاملة كشرط لوقف خططها التصعيديّة وإعلان عودتها إلى الالتزام بموجباتها في الاتفاق النوويّ، وفي اليمن مثل إيران، يقدم الأميركي إشارات تقرُّب من اليمنيين بإعلان وقف صفقات السلاح السعودية والإماراتية، وإلغاء تصنيف أنصار الله على لوائح الإرهاب، ويفتتح المواجهة مع ولي العهد السعودي من بوابة ملف قتل الصحافي جمال الخاشقجي فيقرّر إنزال العقوبات بالحرس الملكي و70 شخصية سعودية، ويدعو لتفكيك قوات التدخل السريع التي تتبع لمحمد بن سلمان، فيما يواصل اليمنيون قصف العمق السعودي والتقدم نحو مأرب، رافضين تقديم أي إشارات إيجابية مقابلة، إلا بوقف الحصار والعدوان على بلدهم كشرط لوقف النار، ومن دون أن نحتاج للتأشير نحو التظاهرات المليونيّة في صنعاء، والطوفان الشعبي في تشييع القائد قاسم سليماني في إيران كعلامات على سقوط نظرية الصدمة، يكفي البناء على السياسات الإيرانية واليمنية لاستخلاص صلابة وتماسك البيئة الشعبية حول خيارات قياداتها في البلدين، وسقوط نظرية الصدمة واستحالة الحديث عن الفشل.

في لبنان وسورية نحتاج الى أدوات قياس علميّة لمعايير الصدمة والفشل، ويبدو أن أفضل أدوات القياس هي المقارنة، ففي لبنان يشكل عام 2005 معياراً نموذجياً للقياس والمقارنة، فيما يشكل عام 2011 منصة نموذجيّة للقياس والمقارنة في الحالة السورية، ذلك أن اتخاذ المعيار المعيشي أساساً للصدمة لا يعني أنه أساس حصري، اذا ما دققنا بحجم وتأثير صدمة 2005 على جمهور المقاومة في لبنان وتأثير صدمة 2011 على الجمهور في سورية، وبالقياس لمعايير النجاح والفشل الإعلامي لا قيمة لعدد المنابر وأرقام الموازنات المخصصة لمواجهة المقاومة وسورية وهي تتصاعد وتزداد، بمقدار ما أن المهم هو تأثيرها حيث يفترض أنه الهدف منها، ولا حاجة للتذكير أن قوة الاندفاعة الإعلامية تنبع من صدقيتها بالقياس للحظة الصدمة، ودرجة قبولها من الشارع المستهدف، وليس من حجم الأدوات الموازنات المسخّرة لها.

 

اخترنا عام 2005 لسبب وجيه وهو أنه في هذا العام، يسبق توقيع التفاهم بين التيار الوطني الحر وحزب الله، حيث كان التيار حاضراً في ذروة تحركات 14 آذار المناوئة لسورية والمقاومة بصفته أحد صناع القرار 1559، كما كان يباهي قادته آنذاك، وكانت الصدمة بما هي الحدث الصاعق الذي يصيب الجموع بالذهول، ويلقي في النفوس الشكوك، أكبر مما يمكن التخيّل عبر ما مثله اغتيال الرئيس رفيق الحريري من خلط للأوراق وتسرّب للظنون وطرح للتساؤلات، فمن لم يشكك بدور للمقاومة في الاغتيال من جمهورها، تحت وطأة الآلة الجهنمية لتصنيع الاتهامات إعلامياً وسياسياً، لم يبرّئ سورية من هذه الاتهامات فيما كانت المقاومة تخرج لنصرة سورية في تظاهرات 8 آذار، والذين يعرفون لبنان جيداً يعرفون أن المقاومة لم تعرف منذ ذلك التاريخ لحظة أشد قسوة وصعوبة شعبياً وسياسياً، وأن مفاعيل كل مشاريع الصدمة والحرب الإعلامية لم تحقق إلا المزيد من التماسك في بيئتها وساحتها، التي تبقى الأساس في التقييم، فالسؤال الذي يواجهه الذين يتحدثون عن الفشل الإعلامي، هو كم حققت المواقع والصفحات والحسابات المبرمجة على وسائل التواصل الاجتماعي، والقنوات التلفزيونية العملاقة المموّلة والمفتوح هواؤها منذ 17 تشرين لشيطنة المقاومة، من اختراقات جدية في الشراع المباشر للمقاومة، وكم طرحت من تساؤلات حول شرعية وصدقيّة قيادتها لشارعها، الذي إن كان من ظاهرة جديدة يمكن تسجيلها فيه، فهي ارتفاع منسوب نفاد الصبر على الهجمات التي تستهدف قيادته، وببساطة يصير السؤال الثاني بالقياس لخطورة خطة 2005 وحجم تماسك بيئة المقاومة، ألا يشكل الوضع الراهن مشهداً أشد تماسكاً وقوة أمام تحدّيات أقل خطورة؟

في سورية يمثل تاريخ 2011 أيضاً مشهداً نموذجياً للصدمة، كمنهج استراتيجيّ للتغيير، وليس ضغط الأحوال المعيشيّة التي يسقط قانونها كأداة للتغير بالمثال اليمني والمثال الفلسطيني بالضربة القاضية، بينما مشهد 2011 هو الصدمة بعينها، كما هو مشهد 2005 بالنسبة للمقاومة، ففي عام 2011 سقطت أنظمة في المنطقة بما بدا أنه قوة الشارع، وثورات الشعوب، وهلل لها السوريون حكومة وشعباً، وخلال شهور كانت سورية على موعد مع مثلها. وهذه هي الصدمة، وتحت عناوين جاذبة، وبوجود نواقص ونقاط ضعف غير قابلة للإنكار، ومطالب لا يمكن تجاهل أحقيتها، والصدمة هي انقلاب قناة الجزيرة التي كانت القناة الأولى التي يعتبرها السوريون قناة ذات صدقية وصديقة لتصير قناة ما سُمّي بالثورة، وانقلاب الصديق التركي إلى عدو لحكومتهم، وامتلاء شوارع مدن ومحافظات بتحركات مغرية وجاذبة، وغياب خطاب سياسي وإعلامي مقابل. هنا هي الصدمة وهنا هي لحظة افتقاد المبادرة الإعلاميّة، فماذا كانت النتيجة، كانت أنه خلال أسابيع بدأ التحول مع أول ظهور للرئيس بشار الأسد، وتقديمه شرحاً وتحليلاً للأحداث، وسار هذا التحول تصاعدياً حتى بلغ العام 2014 موعد الاستحقاق الرئاسي ليترجم في الصناديق، خارج سورية وليس داخلها فقط، وكان مثال السفارة السورية في لبنان صارخاً بحدوث التحوّل لصالح رؤية الدولة السورية، وهو ما ترجم في الميدان بانتصارات للجيش السوري، بدأت تصير متدحرجة منذ العام 2016 مع معارك حلب، والسؤال هل من صدمة واختلال في التأثير الإعلامي وليس في المقدرات الإعلامية، لأن التأثير صدقية وفعل ذهول وارتباك معاً، مقارنة بما كان، ماذا كانت النتيجة كي نتوقع أو نخشى تغيرها اليوم؟

– يقول الدبلوماسي الأميركي السابق جيفري فيلتمان إن «السياسة الحالية القائمة على عزل سورية وفرض العقوبات عليها، نجحت في شلّ اقتصاد البلاد المدمَّر أصلاً جرّاء الحرب، إلا أنها فشلت في إحداث أيّ تغيير وباءت بالفشل أيضاً، كما أدّت عقوبات الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي إلى «إحداث تدهور حادّ في العملة السورية، وساهمت في انهيارها كاملاً، لكنها لم تضُعِف الدعم الرئيسي للأسد من قِبَل جمهوره المحلّي، ولم تُغيّر سلوك النخبة الحاكمة»، بل هي «وضعت الولايات المتحدة على الهامش» وإذا كنا لا نملك أدوات القياس فإن فيلتمان الذي يملكها عبر ما تجريه إدارته وهيئات المتابعة الحثيثة يبلغنا النتائج، ومثله يفعل روبرت فورد السفير السابق في سورية الذي يبلغنا ان الدويلة الكردية ستنهار في اليوم الذي يلي الانسحاب الأميركي من سورية، أما عن المقاومة فيبلغنا فيلتمان في إطلالة سابقة تزامنت مع انطلاق انتفاضة 17 تشرين، أن الخطأ الجسيم يتمثل بتوجيه زخم الانتفاضة بوجه سلاح حزب الله، سواء بمحاولة رسم شعارات للانتفاضة تطال السلاح مباشرة او محاولة وضع الجيش او الشارع في مواجهة حزب الله داعياً لوصفة تتناسب مع ما يعتقده صالحا للمرحلة وهو الاشتغال على نزع حلفاء حزب الله بدلاً من نزع سلاحه، والتركيز على التيار الوطني الحر. وهنا تذهب المعركة لاستهداف المقاومة بكل ما تمّت مراكمته من إنجازات في إضعاف تماسك بيئة التيار وتحالفه مع حزب الله، الذي سيستسهل الوقوف تحت مظلة الشعارات المستحيلة لخصومه كالتدويل والحياد وهو يراها تصطدم بالجدار، من دون تحمل مسؤولية السير بها أو إسقاطها.