Get Adobe Flash player

امتلأت خلال يوم أمس، الصحافة الأميركيّة والإسرائيليّة ووسائل الإعلام المموّلة خليجياً بالتقارير التي تصف الشهور الباقية من ولاية الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالشديدة الحساسية متضمنة الإشارات لفرضية توجيه ضربة موجعة لإيران قبل نهاية ولاية ترامب وفي السياق استهداف قوى المقاومة، خصوصاً في سورية بضربات متلاحقة. والتقارير لا تُخفي أن المقصود هو قطع الطريق على إمكانية قيام تسويات بين ايران ومعها قوى محور المقاومة في المنطقة من جهة وادارة الرئيس الأميركي المنتخب جو بايدن من جهة مقابلة، بخلق أمر واقع يفرض سياقاً مختلفاً للعلاقات يصعب تخطيه ويدفع المنطقة نحو استقطاب جديد بطابع عسكري تجد الإدارة الجديدة أنها محكومة بالبقاء ضمنه.

Read more: التهويل بالحرب: ناصر قنديل

يفترض أن الشعوب تراكم ذاكرتها الجماعية من تجاربها فتتفادى بوعيها التراكمي تكرار الأخطاء ذاتها، وتبتعد عن إعادة ارتكاب الحماقات ذاتها، وتتجنب بالخبرة المتحققة عبر التراكم عبور المزالق الخطرة التي أوصلتها الى المحن والكوارث، لكن هذا ليس أبداً حال لبنان اليوم، فمن يتابع النقاشات السياسية والمواقف المعلنة والقضايا المثارة للنقاش يدرك سطحية السياسة بالمعنى العلمي للكلمة، حيث الشعارات تستبطن ألغاماً تكفي لتفجير البلد عشر مرات، ويجري رميها في التداول بكل بساطة واستسهال واستهبال في الغالب الأعم، إن لم نقل بغباء وسذاجة، او تفاهة وتآمر، فنحن نشهد في سوق السياسة تداولاً لبضائع كاسدة سبق سحبها لانتهاء صلاحيتها، مخاطر تسببها بالتسمم، لكن المذهل حجم الرواج الذي تلقاه هذه البضائع من دون تدقيق. وكيف تتولى شخصيات يفترض أنها تتمتع بالثقافة والخبرة، أو قيادات تتصدّى لمواقع مسؤولة عمليّة التسويق بكل ثقة وجسارة ان لم نقل بوقاحة.

Read more: لبنان والعودة لمنهج تفكير الحرب الأهليّة رغم الإنكار والاستهبال!: ناصر قنديل

مع تكرار نبأ وصول رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو يرافقه رئيس الموساد يوسي كوهين إلى مدينة نيوم الساحلية في السعودية التي تشكل عاصمة وليد العهد السعودي محمد بن سلمان للانضمام الى اجتماع وزير الخارجية الأميركية مايك بومبيو وبن سلمان، من أكثر من وسيلة إعلام في كيان الاحتلال، بدأتها صحيفة يديعوت أحرونوت وتلتها إذاعة الجيش في الكيان ثم الإذاعة الرسمية وتوّج بخبر في وكالة رويترز، ورغم صدور النفي السعودي للنبأ، يمكن اعتبار الاجتماع أول أمس مؤكداً، خصوصاً إذا أخذنا بالاعتبار أن الثلاثة، أي فريق الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونتنياهو وبن سلمان يشكلون ثلاثياً تجمعه المصيبة والتحديات والمصير، في ضوء ما نجم عن الانتخابات الرئاسية الأميركية، حيث سيخسر بن سلمان ونتنياهو بمثل ما سيخسر ترامب وفريقه، عند التسليم بفوز جو بايدن بالرئاسة وتقدّمه نحو البيت الأبيض، ليس لأن بايدن يمثل مشروعاً مختلفاً عن ترامب في منطلقات العداء لإيران وقوى المقاومة وروسيا والصين، ولا لأنه يحمل تأييداً أقل ليكان الاحتلال وأنظمة الخليج، بل لأن بايدن يمثل القناعة الأميركية بفشل الرهان الذي خاضه الثلاثي ترامب ونتنياهو وبن سلمان بإسقاط التفاهم النووي مع إيران، وبالتوازي سلوك طريق التصعيد مع روسيا والصين، والاعتقاد بأن بمستطاع العقوبات القصوى التي هددت في طريقها أوروبا، يمكن أن تنتج مناخاً تفاوضياً أفضل لحساب أميركا واستطراداً تتمكن من تحسين وضعية السعودية والكيان، وهذا يعني ان انتقال السلطة الى بايدن سيعني العودة للسياسات التي انتهت اليها إدارة أوباما في نهاية اختباراتها لسياسة التصعيد والعقوبات والتلويح بالحرب ونتائج الحرب المحورية في المنطقة التي مثلتها الحرب على سورية.

Read more: لبنان في لقاء بومبيو وبن سلمان ونتنياهو: ناصر قنديل

بعدما بدأ الرئيس الأميركي دونالد ترامب الاستدارة نحو الخضوع لنتائج الانتخابات تدريجياً بإعلانه الفصل بين مسار التسليم بالمرحلة الانتقالية مع الرئيس المنتخب جو بايدن كرئيس قادم، ومسار الاعتراض القانوني الذي يواصله فريقه ضد نتائج الانتخابات على مستوى الولايات ولاحقاً على مستوى فدرالي، وهو يخسرها تباعاً، وبعدما بدأ الرئيس المنتخب جو بايدن بتعيين فريقه الرئاسي، والواضح أن هذا الفريق يضم نخبة من شخصيات الحزب الديمقراطي، لمناصب رئاسة المخابرات ومستشار الأمن القومي ووزارة الخارجية، ويسلط الضوء على مواقف هذه الشخصيات كما يجري عادة مع كل رئيس منتخب وفريقه للتعرّف على سياسات الرئيس، خصوصاً ما يوحي به اسم وزير الخارجية المقبل بالنظر لمواقفه السابقة.

Read more: بلينكن رجل التفاهم النوويّ ودعم "إسرائيل": ناصر قنديل

يعرف حكام الخليج أن التطبيع الذي جمعهم بكيان الاحتلال برابط مصيريّ لا ينبع من أي وجه من وجوه المصلحة لحكوماتهم ولبلادهم. فالتطبيع يرفع من درجة المخاطر ولا يخفضها إذا انطلقنا من التسليم بالقلق من مستقبل العلاقة مع إيران، والتطبيع مكاسب صافية لكيان الاحتلال اقتصادياً ومعنوياً وسياسياً وأمنياً، ولذلك فهم يعلمون أنهم قاموا بتسديد فاتورة أميركية لدعم كيان الاحتلال من رصيدهم وعلى حسابهم، ويحملون المخاطر الناجمة عن ذلك وحدهم، خصوصاً أن الأميركي الذي يمهد للانسحاب من المنطقة بمعزل عن تداعيات أزمات الانتخابات الرئاسية ونتائجها، ولذلك فقد تم إطعام حكام الخليج معادلات وهمية لبناء نظام إقليمي يشكل التطبيع ركيزته يحقق لهم توازن قوة يحميهم، فما هو هذا النظام الإقليمي وما هي الجغرافيا السياسية التي يسعى لخلقها؟

Read more: الجغرافيا السياسيّة للتطبيع: ناصر قنديل