بقلم ناصر قنديل

مكانة واشنطن على المحكّ في أنقرة وتل أبيب!: ناصر قنديل

 

– يدرك الأميركيّون أن موسكو تتحرّك على مثلث أضلاعه، مبيعات النفط والغاز الى أوروبا، وعلاقتها المالية والاستراتيجية بالصين، ومكانتها في الشرق الأوسط، وفيما تبذل واشنطن جهوداً متواصلة للسيطرة على موقف أوروبا لجهة توريطها بقرار وقف التزوّد بالغاز والنفط من روسيا، رغم ما يعنيه ذلك من مسار انتحاري لأوروبا، ومثلها لتهديد ميؤوس من نتائجه بهدف جلب الصين نحو الانخراط في التضييق على موسكو، ولو لم تنخرط بكين كلياً في مسار العقوبات، فإن الاختبار الأهم سيبقى، وفقاً للخبراء الأميركيين، هو في مدى النجاح بفرض مناخ مختلف في الشرق الأوسط، حيث لا يهم كيف صوّتت دوله في الجمعية العامة للأمم المتحدة، بمقدار كيفية تصرّف حكوماته تجاه مطالب واشنطن الصريحة والواضحة، بالانضباط بخطط العقوبات على روسيا، خصوصاً في مجال خطوط الطيران، والتعاملات المصرفيّة.

 

– في المنطقة تقدير روسي لموقف طهران، واهتمام بالنجاح بتأكيد التعاون الاستراتيجي، المنطلق أصلاً من شراكة المكانة المؤثرة لكلتيهما، موسكو وطهران، في سوق النفط والغاز، والذي سيحتل حيزاً من أي اتفاق نووي لإيران مع دول الغرب بشراكة روسية محورية ومتعددة الوجوه، ولا قلق على هذا الصعيد من فعالية أية إغراءات أو ضغوط غربيّة عموماً وأميركيّة خصوصاً، كذلك هناك تقدير لموقف سورية التي تتشارك معها روسيا في الكثير من المشتركات، وتشكل موانئها نقاط تبادل مع المرافئ الروسيّة في حركة الأسطول البحريّ، ومن بين الدول التي امتنعت عن التصويت لصالح المشروع الأميركيّ في الأمم المتحدة العراق والجزائر، كشريكين في أسواق النفط والغاز، وعتب على لبنان الذي صوت أميركيّاً، وتمنيات روسية بألا يتوج الخطأ بخطيئة الانضمام الى منظومة العقوبات، التي رغم محدوديتها في التأثير بالنسبة لروسيا، ستكون القشة التي تقصم ظهر البعير في العلاقة بين البلدين من زاوية موسكو.

 

– العلاقة مع السعودية والتنسيق بين الرياض وكل من بكين وموسكو على مسارات مستقلة عن الأزمة في العلاقة الروسيّة بدول الغرب، لكن يبقى الأهم بالنسبة لموسكو وواشنطن مواقف ثلاثة شركاء في قطاعي الطيران والمصارف لموسكو، وهم ثلاثة حلفاء استراتيجيين لواشنطن، وهم تركيا وكيان الاحتلال ودولة الإمارات، وشريك رابع نوويّ وسياحيّ لموسكو وحليف مقرّب لواشنطن هو مصر، ويشكل الثنائيّ التركي الإسرائيلي بيضة القبان في مواقف هذا الرباعي، حيث حسم موقف أنقرة وتل أبيب سيمهّد الطريق لإخضاع الخصوصيّة المصرية والإماراتية لمعيار المثالين التركي والإسرائيلي، فتركيا عضو في حلف الأطلسي، وتل أبيب شريك معاهدة تعاون استراتيجي مع واشنطن وصاحبة أعلى دعم ماليّ وعسكريّ أميركيّ في العالم.

 

– تصطدم الجهود الأميركية بحسابات وأسئلة تركية وإسرائيلية، لا يملك الأميركيّون أجوبة عليها، فالخلاف مع روسيا يشكل بالنسبة لحكومتي أنقرة وتل أبيب قضية وجودية، ويقوم المنطق الإسرائيلي على مقاربة تقول، إن موسكو ستعتبر أي انضمام إسرائيلي للعقوبات الأميركية قطعاً لشعرة الربط القائمة والتي تشكل سقف الحركة الإسرائيلية في سورية، وسيكون كافياً أن تمتنع موسكو عن توفير هذا السقف، دون أن تنتقل الى الانتقام، وهو وارد، حتى تتحرّر إيران وقوى المقاومة، والدولة السورية، من أية حسابات للإحراج الروسيّ القائم ما بقي الموقف الإسرائيلي في منتصف الطريق بين واشنطن وموسكو، وطالما أن واشنطن ذاهبة الى التفاهم مع إيران على العودة الى الاتفاق النووي، حتى لو تأخرت الآن، فإن مفهوم الأمن الإسرائيلي لا يشكل عنصراً في الحسابات الأميركية عندما توضع المصالح الأميركية على الطاولة. وهذا الأمن المهدّد سيكون عرضة لتهديد أشد قسوة اذا خسر السقف الروسي في سورية، وتحرّرت إيران والحلفاء من أية ضوابط في المواجهة عبر سورية، وربما عبر أكثر من جبهة، فهل ستحلم «إسرائيل» بأن تتخلى واشنطن عن العودة للاتفاق النوويّ استجابة للمصالح الإسرائيلية، وهي لا ترى أية بوادر بهذا الاتجاه؟ وهل ستقدّم واشنطن الضمان لأمن «إسرائيل»، وأمام تل أبيب مشهد التخلي عن التدخل لصالح نصرة أوكرانيا، وفق معادلة دعوة أوكرانيا للاعتماد على نفسها مع بعض المساعدات، وعبرة ما تفعله واشنطن يقول لتل أبيب إنها ستسمع كلاماً مشابهاً عندما تتعرًض للتهديد؟

 

– تركيا تستعيد مع واشنطن تجربتها المرة في المبادرة لقتال روسيا بالنيابة عن حلف الناتو في سورية وإسقاطها طائرة روسيّة، وكيف تخلّى عنها الحلف، وتركها وحيدة وسحب صواريخ الباتريوت من أراضيها، وتشكك بأن يكون الحلف بموقف أفضل اذا تعرّضت إحدى دوله للخطر الروسي، لأن هذا حدث مع تركيا ولم يفعل الحلف شيئاً، بل قال إنه ليست لديه خطط للاشتباك مع روسيا، والمنطق التركيّ قائم على ان أنقرة ذهبت مضطرة بسبب هذا التخلي، لإنشاء علاقة مختلفة مع موسكو، حافظت من خلالها على حضورها في سورية وليبيا وأذربيجان، والتضحية بهذه العلاقة ستعني خسائر مرتقبة في هذه الساحات التي تمنح تركيا مكانة إقليمية لم تتحقق بانضباط تركيا تحت سقف المواقف الأميركية، وقد نالت تركيا نصيباً من العقوبات لخلافات تكتيكية معها، ولم يؤخذ حين وضع العقوبات بالحسبان أن تركيا دولة حليفة وعضو هام في حلف الناتو. وتركيا تعتمد اليوم على السياح الروس وتعتمد المصارف التركية على الأموال الروسية بنسبة اعتماد اوروبا نفسها على الغاز والنفط الروسيين، اللذين تستفيد تركيا من عبورهما لأراضيها، فما الذي تعرضه واشنطن مقابل طلب الانضباط التركي بعقوبات ستؤدي الى كارثة اقتصادية، وانهيار إقليميّ، هل تعرض ضم تركيا للاتحاد الأوروبي الذي بدا تفاعله مع التهديد الذي تعرّضت له أوكرانيا مختلفاً عن ردة فعله يوم تهددت تركيا، كما يتعامل بمعايير مزدوجة مع قضية ضم كل من تركيا وأوكرانيا إلى صفوفه، فهل ستستطيع واشنطن تغيير اتجاه البوصلة، أم أنها ستغير سياستها في المنطقة وخصوصاً في سورية لصالح التعاون في خطط المواجهة عبر التخلي الأميركي عن المشروع الكردي؟

 

– الأسئلة التركية والإسرائيلية هي طلبات لأثمان لا تستطيع واشنطن تأديتها لقاء طلب الانضباط بالعقوبات على روسيا، وتبدو الشقوق التي يتركها الموقفان التركي والإسرائيلي كافية لتغطية الفشل في فرض الإنضباط على جبهة كل من مصر والإمارات، والنتيجة واضحة مع التمسك الأوروبي بعدم التخلي عن إمدادات الغاز والنفط من روسيا، ومع التشدد الصيني برفض المشاركة في العقوبات المالية خصوصاً، أن نظام العقوبات على روسيا يفقد فرصته كخط مواجهة قابل للتأثير الجذري على التوازنات التي تحكم الحرب، بينما يبدو المسار العسكري متواصل الرجحان بثبات لصالح روسيا، وتبدو نتائج حرب الأسعار في أسواق الطاقة والغذاء متسارعة التأثير على المجتمعات الأوروبيّة، لتبدو موسكو رابحة للحرب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى