بقلم ناصر قنديل

كلام جعجع عن سعر الصرف وكلام شيا عن الغاز والكهرباء: ناصر قنديل

 

– اذا وافقنا على دعوة حزب القوات اللبنانية لقراءة كلام رئيسه عن ربط تحسّن سعر الصرف تلقائياً إذا فازت القوات بالانتخابات، بنيّة حسنة بصفته ربطاً يستند الى قراءة القوات لأزمة سعر الصرف، كما قال جعجع، بصفتها أزمة انعدام ثقة سببها وجود أغلبية نيابية وسياسية حليفة للمقاومة، وأن انقلاب هذه الأغلبية سيعيد هذه الثقة، وبالتالي سيعيد لسعر الصرف معادلته الاقتصادية، بدلاً من السياسية، والسعر الاقتصادي للدولار، كما قال جعجع، أقل بكثير من سعر السوق، فإن هذه القراءة بالنية الحسنة لن تكون لصالح القوات ورئيسها على الإطلاق، ولعلها تكون مدخلاً لاستنتاجات أشد قسوة بحق القوات ورئيسها من القراءة التي تتهمها القوات بشيطنة كلام رئيسها، وأخذه في سوق المزايدات الاتهاميّة.

 

– سننطلق من كلام جعجع نفسه ودون أية إضافة، كما ورد أعلاه، ونثبت نقاط اتفاق معه، أولها أن السعر السائد والمرتفع والمتصاعد ارتفاعاً، هو سعر سياسي وليس مطابقاً للسعر الاقتصادي الأدنى حكماً من هذا السعر السياسي، وثانيها أن وراء هذا السعر السياسي هو هذا الصراع على وجهة لبنان السياسيّة بين وجهتين، واحدة تمثلها المقاومة وتحالفاتها، والثانية تمثلها جبهة داخليّة يقدّم جعجع وحزبه نفسيهما كطليعة لها، وتضم معهما مرجعيّات روحيّة وقوى وشخصيّات وأحزاباً ومنظمات مجتمع مدني، وكل منهم يجاهر بموقفه المعادي للمقاومة، ويتهم الوجهة السياسية التي تمثلها بالتسبب بعزل لبنان عربياً ودولياً وحرمانه من دعم قوى خارجية تملك قدرات مالية كبرى، ما تسبب بأزمته المالية ويتسبب بتفاقمهما؛ وتقف وراء هذه الجبهة الداخلية، جبهة خارجية تبدأ من واشنطن وتنتهي في الرياض، تقول إنها تخوض علناً معركة تحجيم واضعاف حزب الله وتحالفاته، وتعتبر الانتخابات النيابية فرصة لتحقيق هذا الهدف، وتربط علناً كما تقول بيانات وزارة الخارجية الأميركية ومجلس الوزراء السعودي، أي مساعدة للبنان بوقوف اللبنانيين بوجه حزب الله ومقاومته، وتعاقب قوى سياسية بتهمة التحالف معه، وتعلن استعدادها لفك هذه العقوبات إذا فكت هذه القوى حلفها مع حزب الله.

 

– هذا التفسير الذي يقدّمه الفريق الذي يتصدر جعجع وحزب القوات النطق بلسانه داخلياً، عبرت عنه السفيرة الأميركية دورتي شيا عندما أرادت الرد على سفن كسر الحصار التي جلب حزب الله عبرها المازوت الإيراني الى لبنان عبر سورية، فأعلنت بلسان إدارتها كسر العقوبات الأميركية المفروضة على لبنان لمنع استجرار الكهرباء الأردنية والغاز المصري، فالأمر الذي تحدّث عنه جعجع ليس مجرد تكهّن سيكولوجي، بل هو معرفة الشريك بالشريك وما يفعل، فالسلة العقابيّة التي يقع لبنان تحت وطأتها ثمن فكها أن يتخلى لبنان عن خيار سياسي وينتقل الى خيار معاكس. والسلة هي، أولاً فتح وإغلاق الأسواق الخليجية أمام الصادرات اللبنانية الزراعية والصناعية ورفع او إقامة الحظر عن السياحة والودائع الخليجية الى لبنان، وثانياً تصنيف لبنان الائتماني لدى الشركات الأميركية الممسكة بأسواق المصارف العالمية وما يترتب على التصنيف من تعامل مع الديون والخطوط الائتمانية واستطراداً تعامل الصناديق والبنوك الدولية مع طلبات لبنان للقروض، وثالثاً السماح بحرية التبادل التجاري بين لبنان وسورية والعراق وإتاحة قيام مشاريع جر النفط العراقي واقامة مصافي النفط اللبنانية، ورابعاً الإنجاز السريع لترسيم حدود ثروات النفط والغاز اللبنانية وفق ما يحقق مصلحة لبنان ويتيح له استثمار ثروات بالمليارات، ويحرر الشركات المعنية بالتنقيب من القيود التي منعت، ولا تزال، قيامها بالتزاماتها. وتكفي مراجعة الخطوات الأميركية والسعودية تجاه لبنان لعشر سنوات مضت ورؤية عكسها لمعرفة ما يبشرنا جعجع بأنه سيحدث إذا انقلب لبنان لصالح الرؤية الأميركية السعودية، التي يجاهر جعجع بتمثيلها، لكن السؤال هو هل سيحدث فعلاً؟

 

– لا حاجة للقول إن وهم نيل الأغلبية كحل سحري لن يبدل وجهة لبنان التي بدأ العقاب الأميركي السعودي لتغييرها، يوم كانت الأغلبية النيابية مع حلفاء واشنطن والرياض قبل عام 2018، ولا حاجة للقول إن نقطة البداية التي يعد بها الأميركي والسعودي هي مجرد نقطة بداية، أولها خذوا الأغلبية، ثم القول هذا غير كاف فشكلوا حكومة لون واحد، ثم خذوا قرارات تشبه قرار حكومة السنيورة في 5 أيار 2008 بتفكيك شبكة اتصالات المقاومة، وصولاً لوصفة الحرب الأهلية الكاملة، وعندها يتفرّجون على لبنان يحترق، وربما تشترك «إسرائيل» في المحرقة، وبعدها لا نفط ولا غاز ولا مَن يحزنون بل هيمنة «إسرائيلية أحادية على ثروات لبنان طالما أن القوة التي يحسب لها «الإسرائيليون» الحساب لم تعد قادرة على فرض معادلة الردع، ولا أسواق مفتوحة مع الجوار ولا من يسوّقون، بل تسوّل للمساعدات على طريقة الدول التي ترتضي دور الملحقات في المحور الأميركي السعودي، ووضع شرط مضمونه الإلتحاق بركب صفقة القرن بعنواني التطبيع وفتح الأسواق للمصارف الإسرائيلية والمرافئ الإسرائيلية، وتوطين اللاجئين الفلسطينيين وربما النازحين السوريين في لبنان، طالما ان الجهة التي عطلت على «إسرائيل» وشركائها مسار صفقة القرن والتطبيع والتوطين قد تم إضعافها.

 

– وحدها وصفة الوفاق الوطني تنقل لبنان الى ضفة يحفظ فيها أسباب القوة التي تحمي ثرواته السيادية ومصالحه الوطنية العليا، وتبني دولة قادرة على وضع سياسات اقتصادية ومالية عنوانها القرار السيادي في النفط والغاز والانفتاح على دول الجوار، وتعزيز مكانة الاقتصاد المنتج، وهيكلة القطاع المصرفي الذي كان شريكاً ومعه مصرف لبنان في تدمير لبنان مالياً وتضييع ودائع اللبنانيين، ووضع آلية قضائيّة غير انتقائية لملاحقة الفساد، لكن ما يقوله سمير جعجع واضح، لبنان محاصَر ومعاقَب ومحروم من حقوقه بقرار أميركيّ سعوديّ، وأنا رجل الأميركي والسعودي وإذا انتخبتم القوات كمحور للأغلبية ولاحقاً سمير جعجع رئيساً للجمهورية عندي ضمانات برفع هذه العقوبات وهذا الحصار. فهل يشَرّف أحداً أن يكون شريكاً في حصار بلده وأهله وأن يحمل لهم شروط الذل التي يفرضها عليه من يحاصره ويعاقبه؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى