بقلم ناصر قنديل

البداوة القطرية والتمدن الفينيقي اللبناني: ناصر قنديل

 

–  في يوم 5 حزيران 2017 قرّرت كلّ من: السعودية، البحرين، الإمارات العربية المتحدة، مصر، وتبعتها حكومة عدن، وجزر المالديف، جزر القمر، قطع العلاقات الدبلوماسية مع دولة قطر. وفي يوم 6 حزيران 2017، أعلن الأردن عن تخفيض التمثيل الدبلوماسي مع قطر، وإلغاء تصريح مكتب قناة الجزيرة في الأردن. كما أعلنت سلطات موريتانيا عن قطع علاقاتها الدبلوماسية رسمياً مع دولة قطر. وفي 7 حزيران أعلنت جيبوتي تخفيض مستوى التمثيل الدبلوماسي مع قطر.

–  ومنذ صيف عام 2019 بدأت الأزمة بالانحسار تمهيداً لنهايتها. ففي 4 كانون الثاني 2021 أُعلن عن فتح الأجواء بين قطر والسعودية، كما أُعلن أنّ أمير قطر سيترأس وفد بلاده في القمة الخليجية بالسعودية، وصدر بيان عقب القمة يُعلن انتهاء الأزمة وعودة العلاقات.

–  تصدرت مطالبة قطر بإغلاق قناة الجزيرة الفضائية، المطالب التي أصدرتها دول الحصار بقيادة السعودية، والتي تضمنت وقف دعم جماعات وُصفت بالإرهابية، منها داعش والإخوان المسلمون والحوثيون أيضاً. إضافة إلى مطالبة قطر بالالتزام بالسقف السعودي للعلاقة مع إيران، وعندما عادت العلاقات إلى طبيعتها، لم تكن قطر قد نفذت أيّاً من المطالب كما هو واضح حتى الآن، على الرغم من التقارير التي نقلت صور المجمعات التجارية القطرية فارغة من المواد الغذائية والاستهلاكية في بداية الأزمة، وتوقعت التقارير حدوث انقلاب أو تطورات تنتهي بسقوط النظام القطري خلال أسابيع أو شهور.

– التشابه بين الأزمتين مع قطر ولبنان، يقع في عناوين الخلاف من جهة، ومحورها مواقف إعلامية وحرب اليمن والموقف من إيران وخصوصاً دور حزب الله الذي تصنفه السعودية إرهابياً، لكن الفوارق كبيرة، لجهة أن الموقف الإعلامي القطري هو خط دائم من قناة مملوكة من الدولة، وذات وزن فاعل في الخليج خصوصاً والعالم العربي عموماً. بينما الموقف الإعلامي المعترض عليه لبنانياً هو موقف ظرفي من شخصية إعلامية كلفت لاحقاً بوزارة الإعلام، والكلام المنسوب قيل قبل أن تكون للوزير جورج قرداحي أية صفة رسمية، ولبنان الرسمي يعتذر ويعتذر، وهو أصلاً يواظب على السير تحت السقف الذي لا يغضب السعودية، ويقيس مواقفه على مسطرتها، خصوصاً منذ بداية عهد الرئيس ميشال عون، الذي امتنع عن زيارة أي دولة تزعج السعودية زيارتها، كسورية وإيران، وجعل أولى زياراته إلى السعودية، وسبق وأقال وزير خارجيته استرضاء للسعودية، بينما دأبت قطر على السعي للتميز عن السعودية ومخاصمتها في الكثير من السياسات الإقليمية وصولاً لمنازعتها على الزعامة كلما أتاحت لها الفرصة ذلك.

– فمن الفوارق أيضاً أن قطر جزيرة صغيرة تقع في قلب طوق جغرافي سعودية إماراتي بحريني، وعدد سكانها قليل بالقياس لجارتها الأكبر السعودية، وخطر التعرض لعمل عسكري كان قائماً بقوة، ومثله الحصار الاقتصادي الذي عانت منه قطر في البدايات، قبل أن تعتمد على الواردات الإيرانية والتركية، ومن الفوارق العكسية أن قطر دولة مليئة جداً على الصعيد المالي بالقياس لحالة الانهيار التي يواجهها لبنان، لكن لبنان محاصر من السعودية منذ سنوات، ولن يفكّ الحصار المالي السعودي عنه الخضوع للإملاءات السعودية، أما ما قد يواجهه لبنان سلباً فيتصل بنسبة كبيرة بوضعه الداخلي، المفكك طائفياً، والذي سعت السعودية لتفجيره عبر الاستقالة الإكراهية للرئيس سعد الحريري يوم احتجازه في فندق الريتز. ثم سعت لتفجيره عبر منع تشكيل حكومة ودفعه للفوضى والانهيار والفراغ، ثم حاولت ذلك من بوابة مجزرة الطيونة عبر أدواتها الأكثر قرباً بعد أزمة علاقاتها المعلومة بالحريري.

– وها هي بعد فشل كل محاولاتها المستترة تشمر عن ساعديها، وتسعى اليوم لذلك من بوابة دخولها مباشرة على الخط لتقسيم اللبنانيين إلى شارعين متقابلين، شارع يهتف للسعودية سواء بخلفية مذهبية أو تاريخية أو دينية أو مصلحية أو وهم الخوف من الغد الآتي، ويجد من ينظمه ليخرج غاضباً ملفوفاً بالعلم السعودي، باسم السيادة اللبنانية، ويقطع الطرقات، ويستفز شارعاً آخر لاستدراجه إلى المواجهة والفوضى. وفي قلب ذلك من بدايته أو نهايته السعي لإسقاط الحكومة، وفي الطريق إلغاء الانتخابات إذا اقتضى الأمر ذلك، والمراد السعودي واضح، وهو إعادة لبنان إلى ما كان عليه عشية الطائف، لفرض حصرية الدور السعودي في صياغة المعادلة اللبنانية الجديدة، واستخدام هذه الحصرية ورقة تفاوضية لتعزيز وضع الرياض في التسويات الإقليمية، بعدما فقدت كل أوراقها الأخرى، وتعاني من القلق تجاه ما سيحدث في اليمن. والحوثيون يدقون أبواب مأرب بقوة.

– صمود قطر وصمود لبنان، بنقاط قوة ونقاط ضعف كل منهما، ليست أسبابه مادية بل سياسية، والمفارقة أن لبنان بلد التمدن والحضارة والثقافة والحرية الإعلامية، لم يستطع بعد امتلاك العنفوان والروح السيادية والشعور بالكرامة الوطنية، وهي العناصر التي أتاحت لقطر التغلب على الحصار، وعدم تلبية أي من شروطه، ربما هي البداوة التي أخطأ الوزير شربل وهبة باعتبارها مذمة، بينما وهبت لقطر ما حرمنا منه، ونحن نتشدق بستة آلاف سنة حضارة، يوم كانت قطر جزيرة مغمورة تحت الماء، وما تعلمه البعض من فينيقيا هو ضعف التجار وخنوعهم، وهو يتباهى بالأبجدية والأرجوان كسلع لا كقيم حضارية، لأنه يوردهما ضمن لائحة التبولة والفتوش والحمص بطحينة، بينما قطر التي نختلف معها على ألف عنوان وعنوان، حديثة الحضور على العالم والإعلام، فقبل نصف قرن كان لبنان في مكان وكانت قطر في مكان.

– حل الأزمة ليس عند الوزير جورج قرداحي، فلا تلقوا بأحمال كل هذا التخلف على كاهله، ويكفيه فخراً أنه أضاء على مظلومية اليمن، وأضاء على معاني السيادة، وسواء استقال لمنع أن تستقيل الحكومة وندخل في الفراغ والفوضى ويتهدد سلمنا الأهلي، أو بقي لأن الموقف سلاح، فقد قدم المثال على ما يجب أن يكون عليه مفهوم السيادة والحرية والاستقلال، التي تختزنها الأزمة الراهنة، والتي يكثر الآخرون استعمالها كسلع لا كقيم أيضاً، حتى صارت ثلاثية حرية سيادة استقلال، تذكرنا بثلاثية الفوال، توم وحامض وزيت.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى