بقلم ناصر قنديل

«قضية جورج قرداحي»والرقيق السياسي والإعلامي: ناصر قنديل

 

– للمرة الثانية ومن دون أن يقصد، بل ربما من دون أن يخطر في باله، يتحول الوزير جورج قرداحي إلى عنوان استهداف سياسي وإعلامي ودبلوماسي من دول الخليج، فالوزير والإعلامي والمثقف جورج قرداحي الذي أصابته الدهشة من رد الفعل الذي قابل كلاماً سابقاً له حول الحرب على سورية، دعا فيه إلى الوقوف مع الدولة السورية ورئيسها الدكتور بشار الأسد، كان يعتقد أنه يقول ما قاله بنية صافية لقول ما يعتقده حقيقة، ويرى في قبوله من قادة الخليج وحكامه مصلحة لهم، يجب أن ينظروا إليه من موقع معرفتهم بشخصية جورج قرداحي المحب والحريص والصادق في صداقته معهم، وهو كان يومها أحد رموز أهم مؤسساتهم الإعلامية، لكنه كان ذات جورج قرداحي الذي لا يبيع كرامته بخبزه، ولا يقبل يداً طلباً للرضا، ولا يملك إلا صداقته وصدقه يعرضهما على من يقبل، وإلا فالرزق على الله، فعندما طلب منه الاعتذار أجاب كما هذه المرة لم أخطئ بحق أحد كي أعتذر، تاركاً وراءه عقداً دسماً يحلم بمثله الكثير من الذين يتمرغون على الأعتاب تمسحاً وهم يحاولون كسب الرضا بالتهجم على قرداحي.

 

– هذه المرة فعلها جورج مجدداً، ومجدداً من دون أن يقصد أو يتوقع، وقد تم وصل ما انقطع بينه وبين من عاتبوه وظلموه يوم تحدث منصفاً لسورية، بعدما بدأوا هم بالعودة إليها للتسليم بما دعاهم إليه جورج قرداحي قبل سنوات وأرادوا منه الاعتذار عنه، ولم يطلب منهم اعتذاراً، وهذه المرة تحدث جورج مجدداً بلغة الحريص والصديق، ناصحاً بوقف الحرب الظالمة على اليمن، ووضع حد لأبشع كارثة إنسانية معاصرة، كما وصفها الرئيس الأميركي جو بايدن، وإنهاء حرب عبثية ما عاد ممكناً الرهان عليها لتحقيق أي إنجاز، كما قال وزير الخارجية الأميركية أنتوني بلينكن، ومن خارج توقع جورج وقصده، مجدداً قامت القيامة ولم تقعد، ولم يشفع لجورج كون الكلام مسجلاً من أيام لم يكن فيها وزيراً بعد، ولا قبل كلام رئيس الحكومة ووزارة الخارجية، تحت عنوان هذه وجهة نظر شخصية لا تمثل الحكومة، وبدا أن الحملة التي يستحيل أن يلاقي مثلها أي مسؤول غربي عن كلام أشد قسوة في انتقاد الحرب، ويستحيل أن يطال بعض من بعضها أي إعلامي غربي يقول كلاماً أشد وضوحاً في توصيف الحرب بجريمة بحق الإنسانية، وأنه في لبنان فقط يمكن ويجب تحريم أي كلام لا يطابق النص الرسمي لحكومات الخليج، التي يقال في صالوناتها كلام أكثر وضوحاً من كلام قرداحي، ولسان حال بعض اللبنانيين عاملونا بالعطاءات كمشيخة لها حقوق قبل أن تطبقوا علينا واجباتها.

 

– نموذج جورج قرداحي يتيح طرح القضية من زاوية مختلفة عن أي كلام يمكن أن يصدر عن سواه، من منطلق تموضع سياسي أو حزبي، فجورج حريص على البقاء في خانة المثقف العربي المستقل، بل هو لا يخفي حرصه على قياس خطابه بصفته صديقاً لحكومات الخليج وحريصاً على صداقته مع رموزها وقادتها، وهو يمثل نبل الرسالة الإعلامية في قول الحقيقة استباقاً والتحذير من المخاطر، لكن بلغة الود والحرص والصداقة، وفقاً لمعادلة صديقك من صدقك لا من صدَقك، لكن المشكلة هي أن الذين يتوقع منهم ملاقاة النوايا بمثلها ما زالوا يفضلون الرقيق الإعلامي والسياسي على الأصدقاء، على رغم ما تقوله التجربة بأن الأصدقاء عند الأزمات يبقون، بينما جماعة الرقيق السياسي والإعلامي فهم أول من ينقلبون.

 

نصيحة بجمل كما يقال، لكنها بلا مقابل، احفظوا الأصدقاء من أمثال جورج قرداحي لأنهم لا يخونون ويبقون في الملمات، ولا يغرنكم تطبيل وتزمير جوقات الرقيق السياسي والإعلامي فإنهم أول من ينقلبون.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى