بقلم ناصر قنديل

الخط الأحمر الوطني والاجتماعي لنصرالله: ناصر قنديل

 

– فيما تحولت أغلب أحزاب اليسار والمجتمع المدني في مقاربة السياسة اللبنانية لجعل العناوين السياسية الأقرب للغيبية مثل دعوات الإصلاح ومكافحة الفساد والدعوة للدولة المدنية، أولويتها فتغيب عن هذه الأولويات راهنية القضايا التي تحدد هوية الدولة الاجتماعية، أي الطبقية وفقاً للمصطلح اليساري، والغربي، يقف الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله، بخلفيته وخلفية حزبه الدينية العقائدية، وفي مناسبة عيد المولد النبوي الشريف، التي تمثل مناسبة دينية خالصة، ويتحدث في الشأن اللبناني فيضع ثلاثة عناوين، واحد منها هو التحقيق القضائي الذي تجريه الدولة في ملف مجرزة الطيونة، والثاني مخصص لملف ثروات النفط والغاز، والثالث يتناول المفاوضات مع صندوق النقد الدولي.

 

– في التحقيق القضائي يقف السيد نصرالله من موقع ولي الدم، الذي يقع تحت ضغط تلبية أسئلة أهالي الشهداء، فيضع ثقله لصالح فكرة الدولة، التي تتمثل بالاستثمار على فكرة تشجيع القضاء على تحمل المسؤولية ويشجع السياسيين والأهالي على منح الدولة والقضاء ثقتهم، وهذا ليس مناقضاً للمآخذ التي يسجلها حزب الله وحلفاؤه على التحقيق القضائي في قضية انفجار مرفأ بيروت، لأن دعوة السيد نصرالله كانت وهي باقية لمعالجة المآخذ بخيار قضائي، ومواصلة المسار القضائي، وحدود الاعتراض تقع تحت سقف التوازن بين مؤسسات دستورية وقانونية يدور النزاع حول الاحتكام إليها في القضية التي تطال الرؤساء والوزراء، والاشتباه بأن إصرار القاضي طارق بيطار على كسر هذا التوازن ليس نابعاً من حرصه على الحقيقة والعدالة بل لخدمة أجندات سياسية، تطل برأسها من الاستنساب في ملاحقة رؤساء ووزراء من دون سواهم، ومطلب حزب الله هو تحقيق قضائي وملاحقة قانونية بدلاً من تحقيق قضائي وملاحقة قانونية سائدين، وليس في مصطلحات الموقف أي دعوة لرفض المثول أمام القضاء إلا بمقدار ما يغطي النص الدستوري والقانوني هذا الرفض، وهذا يبقي حركته تحت سقف فكرة الدولة، بينما كشف رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع علناً تمرده على الدعوة للمثول ولو بصفة مستمع إليه، قبل أن يصير شاهداً أو مشتبهاً فيه، وهو ليس لديه أي غطاء قانوني للرفض، والتمرد، فليست له صفة دستورية أو ادارية تستوجب طلب اذن أو رفع حصانة أو تنازع صلاحيات حول مرجعية المساءلة والاستماع، والرفض يقع تحت مسمى واحد، هو لا للدولة ولا للقضاء.

 

– فيما اسقطت مواقف جعجع الرافضة للمثول كل الحملة التي خاضها حلفاؤه في الداخل والخارج تحت شعار، فليقف الجميع تحت سقف القانون، وليمثل الجميع امام القضاء، ولماذا لا يمثل البريء امام القاضي أن لم يكن لديه ما يخشاه، فسقط كل هذا الخطاب، بالضربة القاضية بموقف جعجع، وصار المعترضون على تحقيقات بيطار المتمسكين بتعديل المقاربة القضائية بسقوف قانونية مختلفة لتلك التي يعتمدها، من تحت سقف القانون وفكرة الدولة، وهما سقفان اسقطهما جعجع بالمطلق، فأين هو الخطاب القائم على فكرة الدويلة التي يتهم حزب الله بإقامتها، وهو حتى في موقفه المخالف يبقى تحت سقفها ويسعى لمعالجة مآخذه من داخل مؤسساتها، وهو بالمناسبة أبعد ما يكون عن القلق المزعوم من استهدافه، لسهولة الدحض وصعوبة الاتهام، لأن توجيه اتهام لحزب الله يستدعي تغيير كل قواعد التحقيق ونقل المنهجية من سردية التقصير والإهمال التي يلاحق بها حلفاء حزب الله، لأنه لا مسؤولين لحزب الله يمكن ملاحقتهم بالتقصير والإهمال، والذهاب لسردية التفجير بدلاً من الانفجار، وهذا مشروط بثلاثة، اتهام حزب الله بجلب النترات، وبنقلها إلى سورية، والدخول على فرضية قيام اسرائيل بتفجيرها أو قيام حزب الله بذلك لاستحالة التخلص من المتبقي من النترات لانتفاء الحاجة لها، بالتالي تحميل حزب الله مسؤولية تعريض البلد للكارثة، وهذا يستدعي القول إن القضاة الذين أمروا بإدخال السفينة، والقضاة الذين أمروا بتنزيل النترات، والقضاة الذين أمروا بمنع بيعها أو ترحيلها، هم تابعون لحزب الله، بينما يبدو واضحا أن حزب الله يتساءل عن سر تجاهل التحقيق لهم وسعيه لحمايتهم وتمييزهم بالمثول امام قضاء خاص بينما يصر على تجاهل الخصوصية الدستورية للرؤساء والوزراء، كما يستدعي اتهام حزب الله الاعتماد على إفادات شهود زور كثر يسهل دحضهم، من نوع سائق الشاحنة المتلفز الذي جيء به للقول إنه نقل نترات لحساب حزب الله من المرفأ إلى الجنوب، وسيكون ذلك فضيحة تجهز حزب الله لخوضها والفوز بها، لذلك يقيم خيمته تحت سقف فكرة الدولة مطئناً، بينما يتولى خصومه إسقاط هذا السقف الذي زعموا مقاتلة حزب الله من تحته عند أول استدعاء.

 

– في الشأن المتصل بثروات النفط والغاز، الذي يتجاهله كقضية سيادية كل أدعياء السيادة ويتفرغون للتهجم على سلاح المقاومة، بينما انشغل كثير من النخب القريبة من المقاومة والبعيدة منها، بجزئيات تتصل بالنزاع الداخلي حول الملف، أو تسجيل النقاط السياسي المتبادل بين اطراف السلطة، أو من خارجها عليها مجتمعة، كقضية الخط الواجب اعتماده سواء الخط 23 أو الخط 29، أو قضية تثبيت أو عدم تثبيت الخط 29 بمرسوم يطلب من رئيس الجمهورية توقيعه، ويرد آخرون بأن قيام الوفد اللبناني المفاوض بإيداع الخرائط  لدى الوفود الأممية والأميركية والإسرائيلية في جلسات التفاوض له صفة رسمية وقانونية كافية لحماية الثروات اللبنانية من أي إجراءات أحادية يمكن أن يلجأ إليها كيان الاحتلال، وكذلك النقاش الذي شغل وسائل التواصل الاجتماعي حول هوية المبعوث الأميركي حول ملف الترسيم إلى لبنان واعتبار استقباله تطبيعاً أو تفريطاً بالحقوق اللبنانية وتسليماً بالإملاءات الإسرائيلية، فجاء كلام السيد نصرالله بعيداً من كل هذه العناوين، مستهدفاً جوهر القضية الراهنة، والجوهر الذي لا ينكره أحد من المشاركين في كل السجالات، ويجتهدون لربط مواقفهم به، هو كيفية منع كيان الاحتلال من التلاعب بمصير الثروات المختزنة في المناطق المتنازع عليها، أي الواقعة داخل الخط 29، حتى يتم التوصل إلى نتيجة تفاوضية متفق عليها، فالكل أراد أن يقول إن استقبال أو عدم استقبال الموفد الأميركي حامل الجنسية الإسرائيلية أو إصدار المرسوم وعدم إصداره أو تبني خط الـ29 بصورة نهائية، هي ضمانات لحق لبنان وردع لنوايا إسرائيل بوضع اليد على ثروات النفط والغاز في مرحلة التفاوض، فقال السيد كلمة الفصل، التي لا يملك غيره أن يقولها، “إن المقاومة في الوقت المناسب وعندما ترى أن نفط لبنان في دائرة الخطر ستتصرف على هذا الأساس”.

 

– في الشأن الاجتماعي الذي يختزنه ملف الأزمة المتفاقمة، وما يفرضه التفاوض مع صندوق النقد الدولي، ركز السيد نصرالله على ثلاثة عناوين، سرعوا بالبطاقة التمويلية، وصححوا بدلات النقل للموظفين، وأعيدوا قرض البنك الدولي للنقل العام إلى حيز الحياة بدلاً من تحويله لتمويل البطاقة التمويلية، ومن يدقق في هذه العناوين الثلاثة سيكتشف أنها تختزن مقاربة اجتماعية لا يمكن لأكثر حزب يساري جدي إلا أن يضم صوته لحزب الله في اعتبارها أولوية واقعية ممكنة التحقيق، وواجبة المطالبة.

 

– للذين يريدون وضع الأمور في العلبة الطائفية لتبرير أخذ البلد نحو الانقسام، أو الذين يضعون العنوان الديني كذريعة للشيطنة باسم فرضية المدنية، أو الذين يتذرعون بيساريتهم ليتنصلوا من مسؤولياتهم، أو الذين يرفعون شعارات السيادية التي تعمى عيونها عن الاحتلال وأطماعه ولا ترى إلا سلاح المقاومة، يأتي السيد نصرالله ليقول إن جوهر المقاربات هو الذي يحدد الاتفاق والاختلاف، فناقشوا مقارباتنا وأقبلوها أو ارفضوها، وحالفونا أو خاصمونا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى