بقلم ناصر قنديل

عبد اللهيان ودبلوماسية السردية: ناصر قنديل

 

– أتاحت السفارة الإيرانية والمستشارية الثقافية الإيرانية في لبنان، فرصة اللقاء لجمع من الشخصيات السياسية والإعلامية والثقافية والاجتماعية بوزير الخارجية الإيراني الدكتور حسين أمير عبد اللهيان، وتضمن اللقاء فرصة مريحة للمشاركين للتعبير عن تساؤلاتهم وأفكارهم، أعقبها تعقيب مسهب للوزير الإيراني، بصيغة جواب إجمالي على المداخلات والتساؤلات، ما رسم صورة عن أسلوب الوزير الذي يتميز به ويشكل تعبيراً عن مواصفات يمكن تمييز خطاب الوزير باعتمادها، وهو الآتي من عالم جمع فيه أدواراً ثقافية وفكرية إلى مواقع دبلوماسية وسياسية، وشكل خلالها واحداً من الرموز الثابتة للكادر القيادي للجمهورية الإسلامية في إيران، تبلورت خلالها الصفات الشخصية للوزير وصنعت معها خصوصيته وتظهر معها أسلوبه.

 

– تحدث الوزير عبد اللهيان للحضور قرابة الساعة ولم يتجاهل الأسئلة، ولا غاب عنه مضمون الرسائل التي يريد توجهيها، لكنه اختط لمطالعته أسلوباً خاصاً به، لا يملك القدرة عليه إلا متمكن من مهمته السياسية ومكانته الدبلوماسية وثقافته الفكرية وذاكرته التاريخية، تشكل ملعباً فسيحاً يتنقل بين زواياه براحة وسلاسة وينتقي منه حكايات ويسرد وقائع بصيغ سردية، كل منها تحمل معاني وأبعاداً تتجاوز خصوصيتها وتتضمن أجوبة على أسئلة راهنة، فاتخذ الوزير من لقاء سابق له قبل سنوات مع المؤرخ والمفكر العربي صاحب السمعة الذائعة الصيت الراحل محمد حسنين هيكل، منصة لسردية مركبة تناول خلالها، موقف إيران من القضية الفلسطينية ومن سورية، ومن المقاومة، ومن مسار الجمهورية الإسلامية وقيادتها، مستعيداً محطات متعددة من هذا الحوار الطويل والمتشعب بينه وبين الأستاذ هيكل، من دون أن يحتاج لقول موقف، فهو مجرد ناقل لواقعة فيها ما فيها من المضامين الزاخرة بالمواقف، بعضها على لسانه وبعضها الآخر على لسان الأستاذ هيكل.

 

– أكمل الدكتور عبد اللهيان بسلاسة الانتقال من سرديته مع الأستاذ هيكل، إلى سرديات رديفة منها ما يتضمن رسائل وصلت لإيران من الولايات المتحدة الأميركية، وتكشف أسراراً قيمة، بمثل ما تكشف مبدئية إيرانية تجاه القضايا الكبرى التي تجاهر بها، ومنها ما يتضمن أحاديث مع مسؤولين إقليميين ودوليين، تمرر عبرها رسائل ومواقف، وتحمل الأجوبة على الأسئلة بصورة تبعث على الرضا عند السائل، بحيث ينتهي اللقاء والجميع فرح بما سمع، يشيد بالابتعاد عن الخطاب التقليدي الذي يعتاده عادة من هم في سدة المسؤولية، فيجيبون على الأسئلة في مثل هذه اللقاءات بما تزخر به الصحف من مواقف معلنة للدولة، تحت شعار التحفظ، خصوصاً عندما يتصل الأمر بوزير يتبوأ مسؤولية بحجم رئاسة الدبلوماسية الإيرانية المتعددة المسؤوليات، والمشتعبة الجبهات.

 

– حرارة الالتزام بمساعدة لبنان لم تغب عن الوزير، والأهم هو الحرص على توضيح حقيقة تمسك إيران برفض مطلق لكل مرة يعرض عليها التفاوض بالنيابة عن حليف أو صديق، وعدم الاستعداد لجعل قضية تخص حليف أو صديق موضوع تفاوض بغيابه، مهما كانت عروض الطرف المفاوض مغرية، وهذا يسري على لبنان وعلى العراق وعلى اليمن وعلى سورية، حيث إيران لم ولن تقبل بأن تناقش أي قضية تخص هذه البلدان مع طرف آخر سواء كان هذا الطرف أميركا أو أوروبا أو أي دولة إقليمية، فلا شيء اسمه بحث في الملف اليمني أو الملف اللبناني أو السوري أو العراقي، وخصوصاً الفلسطيني، إلا حيث يكون اليمني واللبناني والسوري والعراقي والفلسطيني حاضراً.

 

– يكتب التاريخ لكبار الدبلوماسيين سيرة تميزهم بأسلوب يرافق سيرتهم، ويبدو أن الوزير عبد اللهيان بنكهته السردية وتضمينها الرمزي للأجوبة، وجاذبيتها للمحدث، سيدخل لائحة الدبلوماسيين الذين يحفظ لهم التاريخ مكانة خاصة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى