بقلم ناصر قنديل

حزب الله: ضعف في الحرب الإعلامية أم منهج الإقناع بتفوّق المثال؟: ناصر قنديل

 

– يسجل الكثير من أصدقاء ومحبي حزب الله على قيادته عدم لجوئها لتنظم حملات إعلامية لمواكبة سياسات الحزب ومواقفه والتصدي للحملات التي تشن عليه، ويعتقد بعض هؤلاء أن ما يدعون إليه من تنشيط وتطوير وتنظيم وتفعيل لأدوات المعركة الإعلامية يسهم بتعديل موازين القوى مع خصوم الحزب الذين يسخرون موارد تقنية وبشرية ومالية هائلة لخوض معاركهم ضده، ويعيد هؤلاء الأصدقاء عدم استجابة الحزب لدعواتهم إلى أحد أمرين أو كليهما، الأول هو سوء تقدير أهمية الإعلام كثمرة لاتهام الحزب بعدم إيلاء أهمية كافية للسياسة، مسترشدين لقول ذلك بكون الحزب المولود من العمل المقاوم محترف وفاعل ومبدع في العمل المقاوم لكنه لم يستطع نقل ذات السمعة التي راكمها في هذا الميدان إلى الميدان السياسي، واستطراداً الإعلامي، أما الثاني فهو ما يصفونه بغربة الحزب عن تقنيات وأدوات السجال وما تستوجبه من مرونة ثقافية ولغوية لا تنتجها البيئة العقائدية القائمة على ثنائية الحق والباطل التي يقوم عليها فكر الحزب وثقافة كوادره.

 

– القراءة الهادئة لتجربة حزب الله تؤكد ظلم وعدم صواب هذه الخلاصة، فالمضامين السجالية التفصيلية البلاغية واللغوية والمنهجية التي يخوضها الأمين العام لحزب الله، والتي تدخل في تفاصيل التفاصيل، تعبر عن سياق تفكيكي وبنيوي يتقن أصول علم المنطق وعلم الكلام ويحترف أصول علوم السفسطائيين، وتكفي العودة لأرشيف كلماته على مدى عامي الأزمة الأخيرة للوقوع على عشرات النصوص الثمينة والقيمة في تقديمها لنماذج مذهلة في هذه المجالات لا نظير لها في أداء الخصوم، المحليين والعرب والدوليين، الذين تظهر مراجعة سريعة لمساهماتهم سطحية وتجميع لمعلومات غير مدققة وترويج لافتراءات واتهامات غير قابلة للإثبات، وتهرب من الرد على الحجة بالحجة، وتهافت في البنيان المنطقي للخطاب، فالقضية إذن ليست قضية الاحتراف ولا تقدير الأهمية، إذا وضعنا نصاً مقابل نص وخطاباً مقابل خطاب، فربما يكون السيد حسن نصرالله أكثر قادة العالم والعرب ولبنان حضوراً في الإعلام بطريقة تختص به وحده، تقوم على بناء لغوي وسياسي منهجي يحاكي المتغيرات ويفسرها ويحلل أبعادها ويرسم خلاصاتها ويساجل القراءات الخاطئة لها ويبني عليها تحديدات ومعادلات وكثيراً ما يكون الحاصل إعلان مواقف، القضية التي لا يصرح بها المنتقدون أو ربما لا يعبرون عنها كفاية ووضوحاً، هي عدم تنظيم حزب الله لحملات إعلامية ترويجية وتسويقية واتهامية ودفاعية، تترجم مواقفه وتترافع عنها بدفق إعلامي متعدد الوسائل والمجالات والتقنيات، أسوة بما يفعله الخصوم.

 

– العودة إلى تجربة حزب الله، تؤكد أن لا شيء يقوم به ينطلق من قاعدة تقليدية يعتمدها الكثيرون، اسمها مجاراة الخصوم ومنافستهم بما يفعلون، فالحزب ينطلق من منهجية مختلفة جذرياً تبدأ من تحديد الهدف وتحليل الجدوى، ثم استخلاص الأداة، ووضع الخطة، ووفقاً لهذه المنهجية ينطلق الحزب من اعتبار الهدف هو التأثير بالبيئة المناوئة والبيئة المحايدة والبيئة الحاضنة، بمستويات تستهدف زعزعة قناعات البيئة المناوئة وطلب تأييد البيئة المحايدة، وتجذير يقين ودعم البيئة الحاضنة، وبفهم خصوصية التركيبة اللبنانية وتداخل الطائفي بالسياسي والثقافي، وما ينتجه التداخل من ولاءات غرائزية عمياء عصية على الاختراق، يميل الحزب للاقتناع بصعوبة تحقيق أرباح تراكمية في الحرب الإعلامية، سواء لحسابه أو لحساب خصومه، ويعتقد بأن الربح في هذه المعركة لا يكون إلا بالضربة القاضية، والضربة القاضية لا تحققها الأقوال، بل الأفعال، ويسوق دليلاً على ذلك، النقاش السجالي حول جدوى المقاومة كأداة للتحرير، وهو سجال ممتد منذ بدأت المقاومة، ولم تتغير توازنات الكتل المصطفة حوله تأييداً ورفضاً، بالنسبة والتناسب مع توازن الحملات الإعلامية المتقابلة تأييداً واعتراضاً، بل بتوازن وقائع المواجهة بين المقاومة وجيش الاحتلال وما قدمته من وقائع تساند فكرة المقاومة وتثبت جدواها، وصولاً ليوم التحرير، ومثلها السجال حول جدوى الاحتفاظ بسلاح المقاومة بعد التحرير وصولاً لنتائج حرب تموز 2006، والقصد هنا ليس إقناع الخصوم، بل تعرية منطقهم من مبررات الوجود.

 

–  يعتقد الحزب أن معركة نوعية ومفصلية ومصيرية بدأت ضد المقاومة من باب الأزمة الاقتصادية، شكلت انتقالاً من النقاش الممتد من مرحلة ما بعد التحرير تحت عنوان دور سلاح المقاومة في الحماية ورد العدوان، والذي كانت حجة الخصوم فيه الرهان على التفوق الإسرائيلي والاستقواء به، وقد سقط هذا الرهان والمنطق المؤسس عليه بحاصل نتائج حرب تموز 2006، أي بالأفعال، وتتالت بعدها الاعترافات الإسرائيلية والأميركية بتعاظم قوة المقاومة، خصوصاً بعد مشاركتها في صد الحرب على سورية وخروجها منها أشد قوة ومكانة واقتداراً، وصولاً إلى ما حسمته الصواريخ الدقيقة، وجاء العنوان الجديد، تسليماً بهذه القوة وهذا الاقتدار لتعلن بدء الحملة عليه من باب اعتباره سبباً للحصار الذي يتعرض له لبنان، عربياً ودولياً، تحت شعار إنكار الحصار واعتبار الإنقاذ مشروطاً بفتح أبواب الدعم المالي العربي والدولي الممنوع بسبب سلاح المقاومة، للقول ما نفع سلاحكم هذا ما دمنا سنموت جوعاً، وجاء كل الخطاب المرافق لمفردات الأزمة والتحركات التي واكبتها والإعلام الذي وضع في خدمتها، مؤسساً على أفعال هي مفردات الحصار التي بدأت تظهر في حياة اللبنانيين، عبر الانهيار الذي أصاب سعر الصرف وصولاً لفقدان المشتقات النفطية والدواء، ولذلك خاض الحزب معركته الإعلامية مع مفردات المنطق المضاد، تمهيداً للحظة الفصل الحاسم بالأفعال التي تسقط مفاعيل الأفعال المضادة وتفتح سياقاً جديداً أسوة بما فعلته حرب تموز وقبلها التحرير وبعدهما التحرير الثاني في مواجهة الإرهاب في السلسلة الشرقية كمرافعة متكاملة بالأفعال عن مبررات شراكة المقاومة في صد الحرب على سورية.

 

– منذ أن بدأ السيد حسن نصرالله بالحديث قبل أكثر من عام عن الدعوة الموجهة للحكومة اللبنانية لشراء المشتقات النفطية من إيران بالليرة اللبنانية وشرح عائداته، وتأثيراته على سعر الصرف من جهة، وحفظ مخزون المصرف المركزي من العملات الصعبة من جهة ثانية، وإنهاء طوابير الذل وتوفير المشتقات النفطية بأسعار مقبولة، قابلة للتثبيت لعدم ارتباطها بسعر سوق الصرف الآخذ في الجنون، كانت المقاومة تبني استراتيجيتها الجديدة لربح الحرب، فإن سارت الحكومة بالخيار تحقق المراد وسقطت نظرية الانهيار كمدخل لإسقاط المقاومة، وأن لم يأخذوا بالخيار فالمقاومة لن تكتفي بالتفرج وإسداء النصح، فقد كانت تؤسس للبديل بالأفعال الذي يحسم الحرب بالضربة القاضية أسوة بسابقاتها المشابهة في الحروب الأخرى، وستكشف تفاصيل ما سيأتي مع خيار سفن الحرية لكسر الحصار حجم التحضيرات والدراسات، التي قامت بها دوائر متعددة في المقاومة لمقاربة اللحظة الفاصلة، لكن يبقى الأهم أن الضربة القاضية تمثلت بجلب صاحب الحصار إلى معادلة جديدة عنوانها تفادي الضرر الأعلى بالضرر الأدنى، أي السعي لتفادي نقل معادلة الردع إلى البحار بالتراجع أمام الكثير من مفاعليها في البر، فكانت الاستجابة لسعي الحزب لتشكيل حكومة، والإفراج عن الكثير من مفردات تعويم الاقتصاد، وكانت البداية من إثبات وجود الحصار بلسان أصحابه، مع التراجع عن عقوبات قانون قيصر التي كانت تعطل استجرار الكهرباء الأردنية والغاز المصري، والضربة القاضية هي بإثبات إمكانية تحقيق الخطوة، بدليل تحققها، وإثبات وهم القدرة الأميركية الإسرائيلية على التعطيل بدليل انكفائهم من أمامها سواء بمحاولات الاعتراض العسكري أو إنزال العقوبات القانونية والمالية، لكن الضربة القاضية لم تنته مفاعيلها، فالمبادرة تستهدف تقديم مثال متفوق في كيفية تعامل الأحزاب السياسية اللبنانية مع الملفات الاقتصادية والاجتماعية من بوابة أكثر هذه المفات تعبيراً عن تداخل السياسي بالاقتصادي بالاجتماعي الذي يمثله ملف المحروقات، فوفقاً لسيرة الأحزاب، هذا التعامل محكوم بعنصري السعي لجني المال، وربط العائد بالمحاسيب، وحصر الاهتمام بالبيئة الطائفية أو المناطقية والحزبية بأحسن حال، ليتقدم مثال حزب الله الجديد بالترفع المالي والسياسي والحزبي والطائفي، ولمقارنة الفوارق أيام آتية تتسع للمزيد من القول، فتاريخ الأحزاب مع المحروقات كشأن حيوي في حياة الناس، سجل حافل، وتجربة حزب الله ستقدم التفوق بقوة المثال.

– مرة جديدة يربح حزب الله حرباً فاصلة بتفوق قوة المثال، والخير لقدام!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى