مقالات مختارة

في مواجهة الحصار والاحتكار والفساد: بشارة مرهج*

 

تفرض الإدارة الأميركية حصاراً خانقاً على لبنان يمسّ الشأن المالي كما الشأن السياسي. ويترك هذا الحصار أثره البالغ على دورة الحياة والحركة الاقتصادية العامة، فضلاً عن حركة نقل الأموال وحركة الشاحنات والتواصل مع البلدان العربية، بخاصة سورية والعراق حيث تكمن رئة لبنان الاقتصادية. ويترافق ذلك مع ضغط صهيوني مستمر على الحدود مع استفزازات لا تتوقف جواً وبحراً، حيث المناورات مستمرة والاختراقات على تزايد بهدف إحداث وضع غير مستقر في لبنان يضعف الدولة وحركة المقاومة التي لقنت هذا العدو، خلال الفترة الماضية، دروساً بليغة تجعله اليوم متخوفاً من أي خطوة عدوانية تراوده ضد لبنان. إلى ذلك تستمر الفئات الحاكمة في لبنان في صراعاتها الجانبية التي تعطل حركة الدولة وموازين العدالة ومصالح المواطنين، فيما يستمر الاتفاق غير المباشر بين أطرافها لمحاصرة المواطنين ونهب أموالهم واستباحة المال العام وتعطيل المصارف بالتفاهم مع أصحابها وحاكم البنك المركزي .

 

وبسبب ذلك كله فرغت البنوك من العملة الصعبة وتراجعت معها الحركة التجارية والاقتصادية وتزايدت فيها نسبة التضخم وارتفعت الأسعار بصورة جنونية، إلى حد وضع البلاد أمام حالة إفلاس حقيقية تتمثل اليوم بندرة الدواء والغذاء والمحروقات وتعطيل العديد من المدارس والمستشفيات والصيدليات والشركات السياحية والمحال التجارية والمؤسسات الصناعية، مما أدى إلى سحق الغالبية العظمى من اللبنانيين إلا فئة الواحد في المئة، ومن والاها وارتمى في أحضانها، هذه الفئة التي تسيطر، بقوة الدولة واحتضان الأجنبي، على مقدرات اللبنانيين وأموالهم وتهيمن على ثروات الدولة التي تأخذها رهينة لتنفيذ مآربها الشريرة في مراكمة المال الحرام وتعطيل مسيرة العدالة، لا سيما في التحقيق المحاسبي الجنائي والتحقيق المتعلق بتدمير مرفأ بيروت، فضلاً عن إفقار اللبنانيين وإعيائهم وشل حركتهم السياسية، وكل ذلك تهيئة لإجراء انتخابات نيابية تكون فيها الكلمة الفصل للهيمنة السياسية والمال الانتخابي بما يجدد الشرعية المزعومة للطبقة الحاكمة ويؤمن استمرارها في نهجها الليبرالي المتوحش الذي أدى إلى انهيار الوضع الاقتصادي والاجتماعي وتشويه صورة لبنان وسمعته ودوره في الإقليم والعالم .

 

إن مجمل هذه الضغوط التي تمارس على اللبنانيين اليوم هدفها بالنهاية إسقاط راية الصمود والمقاومة في هذا البلد العربي الصغير الذي انتفض يوماً على الاحتلال الإسرائيلي وحرر أرضه وإرادته وصار رمزاً وقدوة في محيط تهب فيه رياح التطبيع والمحاولات الأميركية الصهيونية لتصفية القضية الفلسطينية وتكريس صفقة القرن التي تصب في مصلحة الحركة الصهيونية التي تحتل القدس والأرض الفلسطينية، وتحاول كل يوم عبر تفوقها التكنولوجي والدعم الأميركي إلى التطاول والانتقاص من الإرادة العربية والوجود العربي نفسه، الذي يجد نفسه اليوم أمام خيارات صعبة تفرض التضامن والتصدي والمواجهة لهذه السياسات العدوانية حفاظاً على الذات وصوناً للقضية الفلسطينية ودفاعاً عن مصالح الشعوب العربية، التي من حقها، بعد التضحيات الجسيمة التي قدمتها طيلة المرحلة السابقة، أن تنعم بالاستقلال والحرية والمنعة الاقتصادية.

 

إن لبنان الذي يعيش اليوم ظروفاً استثنائية مصيرية يعرف تماماً أن الدعم التي قدمته الشعوب العربية وبخاصة دمشق وبغداد والقاهرة والرياض عام 1943 لعب دوراً مهماً في تعزيز الحركة الاستقلالية في لبنان وتحقيق لبنان لاستقلاله. ولبنان يدرك كذلك الدور العربي الإيجابي الذي قامت به سورية والجزائر والمغرب والسعودية والكويت في إنجاز اتفاق الطائف الذي وضع حداً للحرب اللبنانية عام 1990، وأعطى اللبنانيين فرصة ذهبية للتوافق والانطلاق لبناء الدولة وتكريس السلام الداخلي وتحقيق النهوض الاقتصادي.

 

وبالمقابل فإن الشعب العربي لن ينسى هبّة اللبنانيين لدعم ثورات مصر والجزائر والمغرب وتونس والجنوب اليمني وفلسطين وكل قطر عربي تعرض ويتعرض للعدوان من قبل القوى الاستعمارية في العالم.

 

وكل ذلك يدل على وحدة أبناء الأمة العربية وإخلاصهم لقضاياها واعتبارهم هذه المبادرات ضرورية وحتمية وتصب في مصلحة الأمة، التي تقوى كلما جنحت جماهيرها إلى العمل الوحدوي وتحركت حكوماتها على طريق التنسيق والتعاون والتكامل، بخاصة أن الأمة العربية مستهدفة بهويتها وخيراتها من القوى الاستعمارية الصهيونية المتوافقة على تصفية القضية الفلسطينية وإخضاع الأنظمة العربية وإضعافها وتفكيكها ليسهل التحكم بها والسيطرة على مواردها. وإذا كنا في لبنان نتحمل مسؤولية كبيرة في تعثر حركتنا الذاتية للسيطرة على مواردنا الطبيعية من النفط والغاز في البحر المتوسط فلا يجوز التقليل من الثقل الأميركي- الصهيوني الذي يحاول السطو على هذه الثروة أو اقتطاع جزء كبير منها لصالحه .

 

إننا نتوجه إلى القوى العربية الحيّة المؤمنة بحق الأمة إلى توحيد صفوفها ومواجهة التزاماتها والنهوض باقتصاداتها ودعم كل قطر من أقطارها، خصوصاً عندما يكون هذا القطر تحت الاحتلال أو تحت الحصار، فإننا ندعو هذه القوى إلى مساعدة لبنان على الإفلات من الشبكة التي تضغط باستمرار لإشاعة الفوضى والانهيار في ربوعه، مؤكدين أن هذا الدفع المتمادي إنما يستهدف كسر شوكة المقاومة وإخماد جذوتها تمهيداً لاستعادة التفوق الصهيوني المتهافت، والتعويض عن التراجع الغربي العام في المنطقة ومواجهة التعددية القطبية وازدياد نفوذ القوى الإقليمية.

 

لقد عاش لبنان في الشهرين المنصرمين تجربة إيجابية مثيرة عندما فتحت بغداد صدرها وقررت دعم لبنان بالنفط، بعد أن قدمت له المساعدات الطبية والاجتماعية مثلها مثل العديد من البلدان العربية.

 

لقد عاش لبنان تجربة متميزة في كسر الحصار النفطي حين قررت قيادة المقاومة استيراد النفط من الجمهورية الإسلامية… وهو قرار أدى إلى تداعيات معروفة شكلت بداية كسر الحصار على لبنان، وكسر قانون «قيصر» على سورية.

 

كما أن هذه التجربة تتكرر اليوم باللقاء اللبناني- السوري الذي يؤمل أن يوفر للبنان الطاقة بالتعاون مع مصر والأردن، مما يكسر الحصار النفطي واستطراداً التجاري على لبنان ويفتح الأبواب نحو مسيرة جديدة مفعمة بالأمل بالنسبة للبنانيين وكل الأشقاء العرب، الذين سئموا سياسة التنابذ والإقصاء بين أبناء الأمة الواحدة التي تطالبهم جميعاً باسم الأخوّة والعروبة والمصلحة المشتركة إلى التخلي عن نهج التطبيع مع الكيان الصهيوني وتكريس هذا النهج بين الدول العربية ذاتها.

 

إننا إذ نشكر كل العواصم الشقيقة والصديقة التي بادرت إلى مساعدة لبنان في محنته المستمرة فأننا نؤكد أن كل عمل إيجابي على مستوى العلاقات العربية أو الإقليمية أو الدولية البينية، سيصب حتماً في مصلحة الأمة قاطبة وسيجعلها أقوى وأفعل على الساحة الإقليمية والدولية وأكثر قدرة على المحافظة على مواردها وانتزاع حقوقها السليبة، لا سيما الحق الفلسطيني المستباح من الكيان الصهيوني وحلفائه.

 

إن الملتقى العربي «متحدون من أجل لبنان المقاوم للحصار والاحتكار والفساد» الذي دعا إليه المؤتمر العربي العام بكل مكوناته من مؤتمرات واتحادات وأحزاب ومؤسسات وهيئات شعبية عربية، وهي ذاتها المكونات التي انتصرت لفلسطين ومقاومتها ضد التطبيع وصفقة القرن، وللبنان ضد الاحتلال والعدوان، وللعراق ضد الحصار والحرب، ولسورية ضد الفتنة ومشروع تدمير الدولة الممنهج، ولليمن ضدّ الحرب عليه ومحاولة تقسيمه، ولكلّ قطر عربي، مدعو في اجتماعه اليوم أن يتدارس جملة أفكار واقتراحات لتشكل نواة برنامج عمل لمساندة لبنان في مواجهة المحنة القاسية التي يعاني منها.

 

*نائب ووزير سابق

 (البناء)

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى