بقلم غالب قنديل

لذكرى ثورة 23 يوليو الناصرية 

 

غالب قنديل 

23 تموز 1952 كان يوما تاريخيا مجيدا في مصر والوطن العربي، أطلق نزعة التحرّر الوطني  والاستقلال والوحدة القومية  وحرك وعيا جديدا  على مستوى الأجيال ما برحت تردداته تتفاعل في الفضاء الثقافي والسياسي العربي، وما تزال بصماته ظاهرة في تحولات الحركة  الفكرية، وفي الثقافة العربية المعاصرة، التي غرفت من معين الزاد الناصري قيم العدالة الاجتماعية والتنمية  والاستقلال. وقد اكتسبت مصر الناصرية وزنا وتأثيرا  بامتلاكها لعناصر القوة وشبكة التحالفات والشراكات الجديدة، التي اعتمد عليها المشروع التحرّري الناصري، وأثبتت صوابها وجدارتها في الظروف الصعبة والمعقدة. وكان في صلب الرّدة الساداتية الرجعية تصفية هذا الميراث وإخماد ذلك النبض.. بعدما أفلتت الكلاب المسعورة الضالة من مرتزقة النفط في منابر الإعلام العربي داخل مصر وفي سائر البلاد الشقيقة، لتهشيم الميراث الناصري التحرّري الوحدوي العظيم وتشويهه.

أولا: شكّلت التحولات المتراكمة في الفضاء العربي تأكيدا لأهمية المبادئ الناصرية، ولصواب التوجّهات الاقتصادية الاجتماعية الثقافية، التي طرحها الزعيم عبد الناصر وشقّ لها الطريق في تجربته القيادية الفذّة، التي تهبنا نموذجا ملهما وواقعيا لامتلاك الديناميكية التاريخية الجذرية في التصدّي للمشاكل والتحديات والتعقيدات. وهذا سرّ الحنين الشعبي والنخبوي للتجربة الناصرية، وهو ليس أبدا نتاج نزعة ماضوية، بل استلهام للميراث الكفاحي والثقافي والتنويري المشرق، الذي نسج صروحا وركائز ثورة تحرّرية في مرحلة مجيدة، علينا استلهام خبراتها بما يخدم مجابهة التحدّيات الراهنة. 

لقد كانت العلاقة الحية بين القيادة والشعب، واستلهام نبض الناس من معالم القوة في التجربة الناصرية. وكان جدار البيروقراطية السميك مع الامتيازات المكدسة، التي راكمت بذرة الشرائح الرأسمالية العميلة للغرب في البنيان الاجتماعي، جذر الانحراف والرّدة، وبؤرة الانقلابات التي أحبطها جمال عبد الناصر في حياته، ومهد الرّدة والخيانة والاستسلام المشين بعد رحيله.

ثانيا:  من العلامات الفارقة في النهج الناصري جسارة المبادرات الشجاعة في بناء الشراكات، وعدم التردّد أمام الترهيب الاستعماري والرجعي، والمبادرة الإبداعية في معركة الوعي الشعبي دون تردّد. فعندما كان الاتحاد السوفياتي هو الحليف والشريك للتجربة الناصرية التحررية، حوصرت تلك الشراكة  بالحملات المكرّسة لشيطنته في أكاذيب منظّمة عن الإلحاد والشيوعية. ولكن الزعيم الخالد سحقها بجسارة، وربح معركة الوعي بالجمع الخلّاق بين العمل التعبوي السجالي والانجازات التراكمية. وقد كان تظهير القائد الخالد لدور الدعم السوفياتي في بناء السد العالي، ونقل التكنولوجيا الصناعية أفضل أدوات التثقيف والتحصين ضد الحملات الرجعية، التي لم تهدأ. واليوم تحاصَر ايران، منذ انتصار الثورة الخمينية المعادية للاستعمار، بحملات شيطنة مذهبية ضد التشيّع، الذي لم يكن عائقا أمام ذيلية الحكومات الرجعية العربية لنظام الشاه العميل. وقد كان يشهر اعتناقه للمذهب الشيعي، بينما  كان قرين الصهيونية، وداعمها المالي والنفطي، وقائدها الاستخباراتي في الشرق كله. وليس من الفراغ أن يسجّل التاريخ المعاصر احتضان مصر الناصرية وإعلامها القومي للإمام الخميني، وتبشيرها بثورته القادمة، التي أثبتت بالتجربة الملموسة مصداقية  الاستشراف الناصري الفذّ، والنظرة الثاقبة لقائد عظيم اعتلم في شخص الإمام الخميني معالم نجدة تاريخية، سيغرف من معينها أحرار الأمة في زمن الرّدة القاسي بعد غياب عبد الناصر.

ثالثا: أعطى الزعيم عبد الناصر أهمية استثنائية للفنون والثقافة الجماهيرية، ولدورها التنويري التعبوي في إنشاء الوعي الشعبي، وبلورة الكتلة التاريخية الصانعة للتحولات. وكان العهد الناصري عصرا ذهبيا للموسيقى والأغاني والمسرح والسينما والرواية العربية، وبرز عمالقة الإبداع في مقدمة كتائب خاصة من جحافل النصرية الهادرة بين المحيط والخليج في التبشير بالوحدة والتحرّر والاستقلال، وبالتعبئة  لمقاومة الاستعمار والصهيونية.  ويقينا إن هذا البعد، الذي ميز الميراث الثقافي للتجربة الناصرية، كان من عناصر رسوخها في وجدان الأمة الجمعي، وهو اليوم رافعة لإحياء فكرة التحرّر الوطني والوحدة القومية بما يتخطى الحنين الماضوي إلى الوعي الكفاحي الحاضر. وحري بمحور المقاومة أن ينعتق من قيد اللغة الفئوية الضيقة إلى رحاب الخطاب التحرّري القومي بإطلاق إبداع فني ثقافي واسع وفاعل، سيكون حامل الوعي الجديد بجدارة. وبكل احترام وثقة وتقدير ومحبة نقول إن على محور المقاومة إعطاء اهتمام خاص واستثنائي للفنون الإبداعية، وتخطّي جميع الحواجز والموانع واعتماد الاجتهادات المناسبة.  فلا يجوز اليوم مثلا أن تغيب عن الناس أغنية تمجّد خصال القائد نصرالله وبطولات المقاومة، وتنشر وعيا تحرّريا، وتؤصّل الحسّ الوطنيّ والقومي، لأنها سُجّلت بصوت فنانة، تستحق كل الاحترام والتقدير على مبادرة، ستكلّفها حصارا وظلما، ترتضي كلفته باختيارها، لأنها تعبّر بأصالة وشرف عن وجدان شعبها ومصالح بلادها.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى