مقالات مختارة

قال إنّ الحريريّة السياسيّة انتهت؟!: د. عدنان منصور*

 

من المبالغة القول إنّ اعتذار الرئيس سعد الحريري عن تشكيل الحكومة، يشكل نهاية للحريرية السياسية. إذ إنّ الحريرية السياسية لم تعد مرهونة بشخص، بمقدار ما هي شبكة متجذرة داخل بيئة سياسية وطائفية واجتماعية محددة، وهي بالتالي جزء لا يتجزأ من نظام طائفي شامل ومتكامل لا يزال مستمراً، ومؤثراً وضاغطاً على الحياة السياسية في لبنان، وممسكاً بكلّ مفاصل ومؤسسات وأجهزة الدولة، وموجّهاً لمنظومته السياسية، ومحيطاً وراعياً لسلوكيات ومفاهيم ونهج وأداء مَن هم في داخلها.

لا نغالي إذا قلنا إنّ الحريرية السياسية متغلغلة ومتجذرة حتى اليوم في كلّ مكان. في الوزارات والمؤسسات، في النظام المصرفي، والمالي، والخدمي، في المجالس والجمعيات، والمنتديات، في قطاعات التلزيمات والمقاولات والصفقات والهندسات المالية، ويكفي سوليدير وأخواتها، وحاشيتها، ومشتقاتها، وتشعّباتها!

وإذا كان البعض يعتقد وهماً انّ الحريرية السياسية انتهت بالاعتذار، فهل يتصوّر هذا البعض أنه بالإمكان في هذه الظروف الحالية الإتيان بمرشح للحكومة من دون موافقة ومباركة الحريري، ونادي رؤساء الحكومات السابقين، وغطاء دار الإفتاء التي تحتضن سعدها؟!

المسألة اليوم ليست باعتذار شخص عن التكليف، كي تطوى صفحته السياسية، ومن يمثله في قلب التركيبة الطائفية المناطقية لنظام فاشل، مترهّل، عفن، استباح الدستور والقانون والقضاء، وكلّ القيم الأخلاقية والوطنية، ليضع في نهاية المطاف شعباً يلفظ أنفاسه على عتبات المنظومة السياسية الطائفية بكلّ ما فيها من فساد وموبقات.

إنّ الترقيع والتلحيم القسري الذي يعمد البعض على اللجوء إليه لإنقاذ ما يجب إنقاذه، لم يعد يجدي وينفع. مع نظام كهذا، ومنظومة حاكمة مترهّلة وبالية كهذه، تعرّت بعد أن سقطت عنها ورقة التوت أمام الشعب اللبناني والعالم كله.

لم يعد من حلّ أمام اللبنانيين إلا باقتلاع أسس النظام الطائفي من جذوره، ومن حماته، ورعاته وكلّ المستفيدين منه.

إذا كان أركان هذا النظام الطائفي الذي يندّدون به كلّ يوم يأتي عن صدق، وهم القيّمون عليه، وإنْ كانوا فعلاً جادّين في تجنيب لبنان الآن ومستقبلاً الويلات، وإبعاده عن الأزمات المتلاحقة من وقت إلى آخر، فإنها الفرصة الذهبية أمامهم اليوم للبحث عن صيغة تخرج لبنان من هذا ـ النظام الطائفي ـ الذي يبث الوباء القاتل من حين الى آخر، يموت به الشعب، وينجو منه صانعوه.

لا يعوّل اللبنانيون على أيّ تغيير أو إصلاح أو استقرار أو تنمية، ولا على أيّ رئيس جمهورية، أو حكومة، أو أيّ مجلس نيابي سيأتي بعد عشرة أشهر، طالما أنّ الوباء الطائفي متفشّ في جسد الوطن ومؤسّساته، وفي عقول شريحة واسعة من القابضين على الحكم والسلطة، ومن المحظوظين والمستفيدين، والمنتفعين، والمنضوين داخل الهيكل الطائفي.

لذلك، إنّ الخروج من أزماتنا ومشاكلنا وخلافاتنا، لن يتحقق قبل أن نقتلع الوباء الطائفي من النظام، وقبل أن يقتلعنا الوباء!

إنّ صيغة 1943 الطائفية سقطت، واتفاق الطائف الطائفي ايضاً، لم يعد يلبّي طموحات شعب ووطن، حيث اغتيل على أيدي صانعيه ومنفذيه، ومن أوصل البلد الى الهاوية.

هل يعي المواطنون الأحرار هذه الحقيقة، أم أنهم مصرّون على الاستماتة من أجل زعيمهم، والدفاع الأعمى عنه، ليخرج كلّ يوم قطاع الطرق واللصوص، والعابثون بالأمن وحياة المواطنين لاقفال الطرقات، وإحراق الإطارات، والاعتداء على أفراد قوى الأمن والجيش والمواطنين، وتكسير الممتلكات العامة والخاصة واحتجاز المواطنين لساعات طويلة داخل سياراتهم وسط الحر الشديد الذي يلسع أجسادهم، في الوقت الذي يستحمّ زعيمهم في حوض ماء بارد!

أفيقوا، أفيقوا أيها المغفلون، ولا تبحثوا عن قهركم وجوعكم وتفجّروا غضبكم في الشوارع والساحات، ليصادره الأزعر وقاطع الطريق، بل ابحثوا عن كلّ مَن ألقى بكم في مستنقع القهر، وساهم وتسبّب في انهيار وطن من قريب أو بعيد لتقتصوا منه.

لا قيامة للشعب، ولا قيامة للبنان، في ظلّ هذا النظام الطائفي، وفي ظلّ المنظومة العميقة الممسكة به بكلّ قوة والمستميتة للدفاع عنه. فما تقوله نظرياً وعلناً حياله، يتعارض ويتناقض بالكامل مع سياساتها وأفعالها المدمّرة.

فلا الاعتذار، لا الحصحصة، ولا الخصخصة، لا «حنان» الخارج و«مشاعره» «وغيرته»، ووعوده، ومساعداته، ولا وساطاته، وإخراجاته، سينقذونكم وينقذون وطنكم طالما بقيتم تحت رحمة النظام الطائفي، وأصابع الأخطبوط الممسكة به…

لا يمكن للبنانيبن أن ينقذوا أنفسهم وينتشلوا وطنهم من الحضيض إلا في حالة واحدة لا غيرها، عندما يشيّعون هذا النظام الطائفي الذي دمّرهم الى مثواه الأخير، ويشيّعون معه عرّابيه وحماته!

لكن متى! عندما يتحرّر العقل اللبناني وينتقل من الحالة الطائفيّة الضيقة المتزمتة، الى الواقع القوميّ الرحب، وعندما لا يكون المواطن مطية، يحمل ويلوح بقميص الزعيم الطائفي، الذي يمتطيه متى شاء، وكيفما أراد!

*وزير الخارجيّة والمغتربين الأسبق.

(البناء)

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى