بقلم غالب قنديل

لا تنتظروا النجدة من الغرب

 غالب قنديل

 يتعلّق اللبنانيون بفكرة النجدة الغربية، ويعوّلون على المساعدات الأميركية والفرنسية، ويترقّبون المبادرات التي قد تنسّقها عواصم الغرب لـ”إنقاذنا“.

 

أولا: للغرب تاريخ في منطقتنا وبلدنا، يثبت أن نهجه هو نهج هيمنة لصوصية ونهب لخيرات البلدان، وإخضاع للإرادة السياسية بما يناسب مصالحه. وحقيقة أن الدول الغربية ليست هيئة إغاثية مجّانية، هي حصيلة خبرة العالم الثالث مع آلاف المبادرات واللجان والهيئات منذ مطلع القرن العشرين. ودائما كانت المصالح المشتركة في علاقة دولنا بالغرب الاستعماري خاضعة لمنطق ميزان القوى، وأمامنا في المكتبات آلاف الصفحات، التي تفضح كذبة المساعدات الأميركية والأوروبية لدول العالم الثالث. وإخضاع جميع النماذج المعروفة لبرامج المساعدة الأوروبية والأميركية الى منطق التحليل العلمي، والتدقيق في الجداول والأرقام والبنود، يكشف أن المساعدات الغربية كانت منذ ابتداعها، بعد الحرب العالمية الثانية، أداة جديدة للهيمنة والنهب، ابتكرتها الإمبريالية العالمية، وخصوصا دول الغرب الصناعي، والولايات المتحدة بالذات، لتثبيت سيطرتها اللصوصية على الثروات والأسواق. وكل كلام خارج هذا المنطق، هو ذرّ للرماد في العيون، أيّا كان مصدره. فهو ترويج لغلاف تسويقي، تريد قوى الهيمنة الاستعمارية الغربية أن تستر به الطابع اللصوصي لسيطرتها العالمية.

لقد صدرت عشرات المؤلفات خلال العقود الماضية، التي تثبت بالوقائع هذه الحقيقة، وساذج مَن يستغني عن عقله ويصدّق أبواق الدعاية الغربية والخاضعين لها، الذين وقعوا ضحايا الأكاذيب المنظّمة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية الى اليوم، والتي تسوّقها آلة إعلامية ضخمة تحت عناوين النوايا الطيبة والصداقة العالمية.

ثانيا: لأن بلدنا لبنان لم يعرف منذ “الاستقلال” نموذج الدولة الوطنية، والبناء الاقتصادي الوطني المحرّر من الهيمنة، فإن اختلاط المفاهيم في بلدنا حقيقة ملازمة لركام اللغو السياسي عن المساعدات الغربية والصداقة اللبنانية الغربية الأوروبية والأميركية، فكل ذلك ليس سوى غلاف تسويقي لآلة لصوصية للهيمنة، لها وكلاؤها المحليون، وتربّى عملاؤها على مرّ العقود الماضية في مواقع السلطة السياسية، وفي قلب الإدارة اللبنانية، ليخدموا مصالح الغرب النهّاب، والذي أثبتت التجربة التاريخية أنه ليس جمعية خيرية للمساعدة في تنمية الأمم والشعوب وتنويرها. ومآثر الغرب في لبنان تؤكد هذه الحقيقة منذ تدمير نواة الإنتاج الوطني، الذي هو في تاريخ الشعوب قاعدة الاستقلال الأساسية. وقد أجهز الغزو الغربي لأسواق لبنان على أنوية الصناعات الحرفية، التي كان يمكن ان تشكّل ركيزة لاستقلال اقتصادي وسياسي. ومن يعود الى تاريخ تدمير صناعة الحرير لصالح المنتجات الفرنسية والأوروبية الأخرى، يفهم جيدا أن الهيمنة الغربية تعادي، وجوديا، كلّ ركيزة للإنتاج وللاستقلال.

ثالثا: إن الدفاع عن وجوه الحياة في بلدنا، التي وحدها سوف تتكفّل بطي صفحة الخراب الكبير اللاحق بنا اقتصاديا واجتماعيا على نحو كارثي، تفترض قبل كلّ شيء بلورة خطة وطنية لإعادة البناء. وخارج هذا الإطار تراوح كل الوصفات عند أبواب التسوّل والارتهان وتجديد الهيمنة الغربية الاستعمارية النهّابة، التي رضخنا لها عشرات السنين، وكانت الحصيلة في الخراب الكبير، الذي تراكم وانفجر منذ عقود، وما زالت تداعياته تتفجّر في كل مكان من بلدنا، وتتفاقم.

إن النهووض الوطني يستدعي بلورة إرادة وطنية حازمة، وبرنامجا وطنيا لإعادة البناء بالإمكانات الذاتية المتواضعة وبالشراكات الندّية الممكنة. فالعالم المعاصر والشرق، الذي نحن جزء منه، يقدّمان لنا قائمة طويلة من الشركاء الناجحين والمتميزين اقتصاديا وماليا وتقنيا، والذين نستطيع من خلال الشراكة الندّية التي تحترم استقلالنا وجميع خصوصياتنا الوطنية، أن نحقّق عملية إعادة البناء الوطني، وأن ننطلق في مسيرة تنمية تحفظ الاستقلال وتنهي عهود الخراب. وهذا ما يتطلّب خطة لإعادة البناء الوطني، تقرّها مؤسساتنا الوطنية وتعبّيء لها جهود الشعب اللبناني بقطاعاته كافة دون إبطاء. والمطلوب هو التحرّر من كساح الانتظار، والتمسّك بشجاعة المبارة، والاختيار الدقيق للشركاء الموثوقين. وغير ذلك استزاف وخراب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى