مقالات مختارة

رفيق الحريري والإعلام ابراهيم عوض

لطالما سُئلت عن رأيي في الأداء الإعلامي بصفتي أعمل في مهنة الصحافة منذ ثلاثة و خمسين عاما، وأشغل حاليا منصب نائب رئيس المجلس الوطني للاعلام المرئي والمسموع ،الذي عُينت فيه العام 2005 وكان من المفروض انهاء ولايته بعد أربع سنوات أي في العام 2009، الا أن الأحداث المتسارعة والتخبط الكبير الذي كان يحصل عند تشكيل الحكومات وبعده، حكمت عليّ وعلى رئيسه الزميل عبد الهادي محفوظ والزملاء الأعضاء البقاء في مراكزنا عملاً بالاستمرارية. كما لم أكن أتوقع أن يكون السؤال إياه حاضرا وبقوة يوم دخلت معترك التعليم، حيث لم أظن يوما بأنني سأقف في صفوف الجامعة مدرساً لمادة الاعلام، وأرى حماساً ورغبة في نفوس طلابي وطالباتي الذين انتسبوا الى جامعة العزم في طرابلس، والتي يرأس إدارتها الدكتور رامز معلوف، الذي خبر العمل الجامعي والإداري على مدى سنوات طويلة داخل لبنان وخارجه.

 

ما حملني على العودة إلى الحديث عن إلاعلام ليس ما تعرض له زملاء وزميلات من محطات تلفزيونية في الآونة الأخيرة خلال تغطيتهم لـ”الثورة” وأبنائها، وما ارتُكب من أعمال شغب وتحطيم مؤسسات ومصارف ومتاجر فحسب، ولا الاجابة عما يُطرح عليّ بشكل مستمر أينما حللت عن دور الاعلام ما له وماعليه، بل الاحتفال بذكرى استشهاد الرئيس رفيق الحريري الأسبوع الماضي في الرابع عشر من الشهر الجاري.

كنت اتابع الأفلام والشرائط الوثائقية التي أُعدّت عن الرئيس الشهيد مضيئة على انجازاته في شتّى المجالات السياسية والإجتماعية والتعليمية والعمرانية والديبلوماسية، حين عدت بالذاكرة الى ذلك اللقاء الذي جمعني بـ”أبو بهاء” مطلع العام 1995، إثر عودتي وعائلتي، زوجتي مهى وكريمتي الوحيدة رين، من غربتي اللندنية التي فتحتُ صفحتها الأولى العام 1981 ولم تُقفل الا بعد اقرار اتفاق الطائف وتسلم الرئيس الحريري رئاسة الحكومة، مع التذكير بأن مقر السراي كان في الصنائع حينذاك حيث مركز وزارة الداخلية اليوم.

في ذلك الاجتماع وكان الأول الذي أتعرف فيه عن قرب الى رئيس مجلس الوزراء الذي شغل لبنان وملأ العالم حضوراً وتأثيراً، سألني عمّا أعتزم فعله بعد تسلمي مهمة ادارة المكتب التمثيلي لـ “الشركة السعودية للأبحاث والنشر” التي تُصدر صحيفة “الشرق الأوسط” وثلاث عشرة مطبوعة من بينها “المجلة” و”سيدتي” و”الرجل” و”هي”. سألني عن طاقم التحرير واسم المطبعة التي ستُطبع فيها “الشرق الأوسط” بنسختها اللبنانية المرسلة اليها من المركز الرئيسي في لندن، وتفاصيل أخرى مرتبطة بالمقالات والأخبار والصور حتى خلته واحداً من الضليعين في مهنة البحث عن المتاعب، والتي بات يُطلق عليها في لبنان اسم “السلطة الرابعة”، وإن كان نقيب الصحافة الراحل محمد بعلبكي، طيّب الله ذكراه، وفي إحدى المناسبات الخطابية التي انعقدت في القصر الجمهوري في عهد الرئيس الراحل الياس الهراوي، خاطب الأخير والحضور متنمياً عليهما أن يعتبرا الصحافة “سلطة أولى”.

حدّثني الرئيس رفيق الحريري يومها عن أهمية دور الاعلام في مؤازرة العمل السياسي، ووجدت في كلماته وعباراته أنه يعوّل الكثير على الاعلاميين ووسائل الاعلام كافة، مقرؤة ومسموعة ومرئية. وهذا ما يفسر اهتمامه، في مستهل عهده ،باصدار قانون يُبطل فيه المحطات الاذاعية والتلفزيونية غير الشرعية التي انتشرت إبان الحرب اللبنانية، ويفتح فيه باب الحصول على تراخيص رسمية تضمنت بعض الشروط التعجيزية بغية ضبط العملية، وان كانت نتيجتها قد جاءت بالمحاصصة ، حيث استحصل الرؤساء والنافذون على رخص تتيح لهم امتلاك محطات تلفزيونية أو اذاعية. وها هي اذاعة “الشرق” “وكل من جريدة “المستقبل” وتلفزيون “المستقبل” (قبل توقفهما عن العمل) مملوكة من مجموعة الحريري، وكذلك الأمر بالنسبة لمحطة “ان.بي.ان” العائدة للرئيس نبيه بري ومعها “اذاعة الرسالة”، وتلفزيون “المنار” التابع لـ “حزب الله” ومعه “اذاعة النور”، ومحطة “أو.تي.في” المحسوبة على “التيار الوطني الحر” الى جانب اذاعة “صوت المدى”.

كما ذكرت سابقا كانت لدى الرئيس رفيق الحريري، رحمات الله عليه، نظرة تفيد بأن كسب ودّ الاعلام والاعلاميين مهم في مسيرته السياسية وتوليه الحكم. وقد ترجم ذلك تقربه من اعلاميين كثر. ولا أخفي سراً اذا قلت بأنه كان يعوّل على معلومات البعض منهم بالنسبة لهذه القضية أو تلك، أو لمعرفة ردة فعل الناس على موقف له ازاء حدثٍ ما، أكثر من اعتماده على التقارير التي ترده من مراجع أمنية ودوائر رسمية كما كان يصغي بعناية لنصائحهم وملاحظاتهم الخاصة بأدائه.

واهتمام الرئيس رفيق الحريري بالاعلام لم يكن مقتصراً على الداخل اللبناني، بل كان يطمح الى أبعد من ذلك بكثير حين أخبرني عن رغبته بإنشاء مدينة إعلامية، من منطلق أن لبنان أكثر الدول حرية في التعبير وابداء الرأي، إن لم يكن الوحيد في المنطقة. وأشار الى أن كلاً من مصر والامارات يسعيان لإنشاء مثل هذه المدينة وعلينا أن نسبقهما، مؤكداّ عزمه على فعل ما بوسعه لبلوغ المبتغى.

حلم الرئيس الحريري هذا انشغل عنه بالأحداث المتلاحقة التي شهدها لبنان بفعل الاحتلال الاسرائيلي لجنوبه، وبزوغ شمس المقاومة التي حررت الأرض، ناهيك عن المناكفات السياسية والدور السوري المؤثر في الداخل اللبناني، الى غير ذلك من العوامل التي واجهت الرئيس الشهيد طوال سنوات حكمه، وعطّلت الكثير من مشاريعه النهضوية والمفيدة للوطن أجمع، ومن بينها تلك “المدينة” التي كانت ستستقطب كبريات المحطات التلفزيونية العربية والأجنبية مع ما يعني ذلك من افساح المجال أمام فرص عمل من شأنها الحد من نسبة البطالة.

حلم رفيق الحريري المذكور لم يتحقق مع الأسف الشديد. والمدينة الاعلامية حطت الرحال في دبي، بعد عملية الاغتيال، وهو زلزال بالفعل ما زلنا نعيش تداعياته وتردداته حتى يومنا هذا.وقد أطاح لا بحلم رفيق الحريري فحسب بل بأحلام الكثيرين المتعطشين لرؤية دولتهم منيعة متحضرة عادلة لا مهترئة كما هو حاصل الآن.

تبقى إشارة اخيرة عن جوابي على أداء الإعلام وهذا ما سأتناوله في مقالة مقبلة بإذن الله.

(عن “البيان” الطرابلسية”)

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى