مقالات مختارة

عيدُ شهداء الصحافة في لبنان ناصيف ياسين

 

عيد شهداء الصحافة في لبنان ، يعود تاريخه لقرنٍ مضى من الزمن ، أيام الإحتلال العثمانيّ للبلاد العربية ، حيث أقدم جمال باشا السفّاح – قائد الفيلق الرابع العثمانيّ – في السادس من أيار عام 1916، على إعدام الطليعة المثقّفة الواعية من العرب ، على أعواد المشانق ، في ساحتَيْ : الشهداء في بيروت ، والمرجة في دمشق . وكان من أبرزهم ثلاثة عشر صحفيًّا ، اعتُبِروا فاعلين في التحريض على التحرّر من نير العثمانيّين الأتراك .

هذا العيد ، إذًا ، هو تذكيرٌ سنويٌّ بأهمّيّة كلمة الحقّ أمام سلطانٍ جائر ، وإيقاظٌ لروح الثورة ضدّ الإستعباد والطّغيان ، والإحتلال بكلّ تسمياته و أنواعه . فليس مُغالاةً ، إنْ قيلَ إنّ الصحافة – والإعلامَ عمومًا – هي مهنة المتاعب التي لا يمكن أنْ تُؤدّي خدمتها الوطنيّة الحقّة ، إلّا بمسؤوليّاتٍ وتبعاتٍ جِسامٍ على جسمها الفاعل ، حتى إنها سُمِّيَت بِ ” السُّلْطَة الرابعة ” ، لتبيان درجة تأثيرها في مجتمعات التاريخ المُعاصِر .

لعلّنا – نحن العرب- أشدّ الناس التصاقًا بمفاعيل الإعلام الصحفيّ الحيّ ، وعلى مدار الساعة ، لِما لهُ من تأثيرٍ في صناعة قناعاتنا و” فبركة ” الرأي العام عندنا ، حتى في أقسى الظروف قهريّةً لحاضرنا ومستقبلنا : فالكلمةُ : مكتوبةً ، ومقروءةً ، ومسموعةً مصحوبةً بالصورة ، أصبحت مادّةً أوّليّةً وأساسيّةً ، حتى في إدارة دفّة الحروب : عن قُربٍ ، وعن بُعد… وكلّنا نشاهد – يوميًّا – حقيقةً : حينًا ، وتزويرًا مُضَلِّلًا أغلب الأحيان ، ما يُصنَع من تاريخنا ، أمام أنظارنا ، وعلى مسامعنا ، حتى وصلنا إلى معادلةٍ جوهرُها : مَن يملك الإعلامَ المُضَلِّل ، يقنص نصف المعركة ، زورًا ، ومَن يعكس حقيقة الوقائع ، يكسب الحرب .

مِن هنا ، يُمكن القولُ ، إنّ إعدام صوت الحقّ الإعلاميّ ، مِن قِبَلِ حكّام العرب المتآمرين على شعبنا ، لم يعُدْ رهنَ القتلِ الجسديّ فقط ، بل ابتُدِعت طُرُقٌ أخرى ، آخرها هذا القتل ، منها : إكثارُ وسائل الإعلام المُضَلِّلَةِ لقتلِ الحقيقة نفسِها ، في مهدها – قدر الإمكان – ، بالإستحواذ على مُجمل الفضاء الإعلامي عبر الشاشات والإعلاميّين – بكل تصنيفاتهم – المُرتَهَنين للبترودولار ، من جهة ، وبحرمان الوسائل المُقاوِمَة والمُناهضة للأنظمة العميلة للخصوم والأعداء من إمكانيات النشر الكتابيّ والبث الفضائيّ ، من جهةٍ أخرى ، مثلما حدث مع ” المنار ” و” الميادين ” ومحطات ” المقاومة الفلسطينية ” داخل الأرض المحتلّة ، أو بالإعتقال ، كما حدث في أكثر من بلدٍ عربيّ ، كان آخرها ما فعله نظام السيسي في مصر ، بعدما ” تَسَعْوَدَ” ، حيث اقتحم عسكرُهُ دار نقابة الصحافة لاعتقال الصحفيّين المعترضين على ” تجيير ” تيران وصنافير للسعوديّة .

فلا عجبَ أن نرى دويلةً صغيرةً مثل قطَر ، ترفعها ” قناة الجزيرة ” – إضافةً لمفاعيل البترول – إلى درجة ” الإنتفاخ الرياديّ ” والتّنطُّح لتتصدّر الرأي المؤثٍّر في بلاد العرب ، لعقدٍ من الزمن ، ما زالت مفاعيله حتى الآن !

ألصحافة من أعظم المِهَن ، إن كانت لصالح الشعب … ومن أشدّها إجرامًا وتهديمًا إن استعملها الطّغاة لمآربهم ضدّ شعوبهم كما يحصل الآن مع الحلف الصهيو / أمريكي / الرجعي ، في الساحات المُلتهبة : من سوريا والعراق والبحرين واليمن وليبيا ، إلى ما تبقّى مِن ” براكين العرب النائمة ” في البلدان الأخرى ؟!

ألمجد لشهداء الصحافة الأبرار الذين ضحّوا بأنفسهم لصالح شعوبهم ، والخزيُ والعارُ للصحافة المُضَلِلَة وأصحاب الأقلام السامّة الذين قال الشاعر ، في كلّ واحدٍ فيهم ، و عن حقّ :

في كفّهِ قلمٌ يمجُّ لُعابُهُ سمًّا وينفثُهُ على الأوراقِ

لو كان ذاخُلُقٍ لَأسعَدَ قومَهُ بِبَيانِهِ ويراعِهِ السّبّاقِ ؟!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى