مقالات مختارة

هل بات تقسيم الوطن العربي قضاء وقدراً؟ د. ليلى نقولا الرحباني

 

كما كان متوقعاً، لم يتمخّض لقاء باريس الذي عقدته “دول التحالف ضد داعش” إلا عن بعض الإنشائيات وتهرّب الغرب من مسؤوليته في الاعتراف بإيجاد “داعش” أولاً، ومسؤوليته في كبحها والتخلص منها منها ثانياً، ومسؤوليته في تجفيف منابعها ثالثاً .

ولعل المراقبة لسياسة الغرب في المنطقة تشي بأن “داعش” كوسيلة لنشر الفوضى والقتل والدمار تمهيداً لتقسيم المنطقة لم تنتهِ صلاحيتها بعد، فلأول مرة منذ احتلال الأميركيين للعراق ومنذ الحرب على سورية، يكون حديث علني وصريح عن ضرورة تقسيم سورية والعراق، وأن الخرائط السابقة لتلك الدول لم تعد تفي بالغرض، وأنها سبب الاضطرابات!

المؤسف أن بعض السياسيين العرب، ومعهم بعض الأكاديميين، يعتبرون التقسيم حاصل لا محالة مادام الغرب طرحه، وطالما لوّح به الأميركيون وسوّق له وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس، وحال العرب في هذا كحال المسلّم لقدره، والمؤمن بأن ما يخططه الغرب إنما هو قضاء وقدر لا يمكن ردّه، ولعلنا إن دخلنا الى أعماق نفوسهم، لوجدناهم يرددون “اللهم إني لا أسألك ردّ القضاء، إنما أسألك اللطف فيه“!

أمام هذا الحديث الغربي المتواصل عن تقسيم المنطقة، يمكن لفت النظر إلى ما يلي:

أولاً: قول بعض السُّنة العراقيين إن تقسيم العراق يفيدهم ويعطيهم دولة ويرفع عنهم التهميش والغبن الذي لحق بهم بعد احتلال العراق والإطاحة بصدام حسين، يبدو نوعاً من الأوهام. كل مشاريع التقسيم الأميركية تتحدث عن نسب مئوية لأعداد العراقيين بحسب طوائفهم، أي إن نسبة الأكراد 17%، والسنّة 20%، والشيعة 60%، وهذا يعني – منطقياً – أن التقسيم العادل لثروات العراق سيكون بحسب نسب السكان المقدّرة من قبَل الأميركيين، مع العلم أن السُّنة العراقيون يقولون إنه تمّ التلاعب بالارقام، وإن أعدادهم أكبر من ذلك بكثير.

ثانياً: لكسب دعم السُّنة العراقيين للتقسيم، تسري أنباء أن الأنبار ليست صحراء قاحلة كما يشار إليها، بل فيها “ما يُعتبر أكبر من احتياطي روسيا للغاز الطبيعي”، وفيها من احتياطي النفط “ما يُعتبر أكبر من احتياطي فنزويلا والسعودية”، بالإضافة إلى احتياطي فوسفات “يوازي احتياطي مصر”، ناهيك عن كميات هائلة من المعادن الطبيعية الأخرى.

نحن لا نقول إن الأنبار قد لا تحتوي ثروات نفطية ومعدنية، لكن تسريب هذه الإحصاءات في هذا الوقت بالذات، وبالتزامن مع طرح خرائط تقسيم المنطقة، قد لا يكون صدفة، بل قد يكون هدفه طمأنة السُّنة بأن دويلتهم المفترضة لن تكون صحراء قاحلة، بل ستحتوي على النفط والغاز؛ تماماً كدويلتي الأكراد والشيعة في العراق.

ثالثاً: الحرب النفسية التي تشنّها بعض وسائل الإعلام المعادية للنظام السوري، والحديث عن أن الرئيس السوري بشار الأسد “قًبِل بالتقسيم مقابل الحفاظ على نظامه”، وها هو ينسحب لـ”داعش” في مناطق تدمر وغيرها لتُكمل “الدويلة” السُّنية اقتطاع مجالها الحيوي ولتصبح أمراً واقعاً، بالإضافة إلى نشر الإعلام الغربي نقلاً عن “نشطاء” أن النظام السوري ساعد “داعش” في قتالها ضد الفصائل المسلحة الأخرى، ومهّد لها الطريق للسيطرة على ريف حلب، علماً أن هذه الأخبار تتناقض مع ما يعلنه هذا الإعلام نفسه عن سقوط وشيك للنظام السوري، وأن إيران وروسيا تخلتا عنه، ولذلك بات يسجّل تراجعاً كبيراً في سيطرته على المناطق السورية.

رابعاً: تقسيم العراق وسورية لن يبقي حدود المملكة العربية السعودية كما هي عليه، بل إن خرائط التقسيم تشملها بشكل واضح، ولن يُبقي تركيا أيضاً، فقيام دولة كردية لن يكون بدون استرجاع أراضي كردستان التاريخية، والتي يشكّل القسم التركي منها الجزء الأكبر، ثم ما الذي يمنع العلويين في تركيا من المطالبة بالانضمام الى الدويلة العلوية في سورية، للشعور بمزيد من الاطمئنان على وجودهم، في ظل منطقة تفصل بين دويلاتها خطوط مذهبية ملتهبة بالحديد والنار؟

في المحصلة، يبدو أن العرب لم يتعلموا شيئاً من تاريخهم، بالرغم من أنهم من أكثر الشعوب حديثاً عنه واسترجاعاً له في كل خطاب ومقال وحديث.. لهذا قد يأتي يوم يتباكى هؤلاء الساعين إلى التقسيم والواثقين بنوايا الغرب، لأن الغرب خذلهم ومرّر صفقات “ومؤامرات” على حسابهم؛ تماماً كما فعل البريطانيون بالشريف حسين في بداية القرن العشرين، بعدما وعدوه بالاستقلال وأخفوا عنه خريطة “سايكس – بيكو”، ووعد بلفور الشهير.. لكن، بالتأكيد، التقسيم ليس قدر المنطقة، والمعركة لم تنتهِ بعد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى