ألف باء بقلم فاطمة طفيلي

زينةالمظلومة…

talijjjjjj

فاطمة طفيلي

كشفت العاصفة الثلجية التي اجتاحت لبنان وغطت بثوبها الأبيض كل أرجائه واقعا مريرا يتكرر في كل الحالات والعناوين التي تحتاج جهدا مضافا إلى الروتين الممل في المؤسسات المعنية العاملة بقوة العادة، والتي لم تتمكن بعد من مبارحة حالة القصور والتذّرع بضعف الإمكانات وظروف عدم الاستقرار السياسي والأمني المزمنة، والتي باتت شماعة تعلق عليها خيبة التخطيط والعمل الاستباقي، الذي يضعها في حالة جهوزية أيا كانت الأحوال، تاركة الحبل على غاربه، والتحرك مرهون بأوقاته، ومن باب رفع العتب وإثبات الوجود لا أكثر، تحرك تفرضه الوقائع والمستجدات، التي يشهدها لبنان ولا يقتصر فقط على غضب الطبيعة.

كشفت زينة كما سابقاتها من موجات الأمطار والثلوج هشاشة الوضع اللبناني في مثل هذه الظروف، التي لا يمكن اعتبارها مفاجئة، ولا سيما في هذه الفترة من العام، وتحول الخير الذي جلبته العاصفة زينة من نعمة ينتظرها اللبنانيون الغارقون شتاء بمياه الامطار، تجرفهم سيولها الوافرة في كل مرة لتلقي بهم بقساوة ما بعدها قساوة على ضفاف الشح والعطش صيفا. ولبنان الأغنى بمياهه وطبيعته من بين بلدان الجوار يعيش فقرا مائيا مدقعا، ويتوجس أهله الأعظم في هذا المجال، رغم كرم الطبيعة المخالف لكل التوقعات القائلة بانحسار الأمطار وتراجع الثروة المائية.

ثروتنا المائية تذهب هدرا من منابعها إلى مجاريها وصولا إلى البحر، من دون أن يغفل الكيان الإسرائيلي الغاصب اقتناص ما أمكنه منها، من كميات ما تزال محدودة، فالمياه ثروة لا تسقطها المقاومة الساهرة على الحدود من جدول مهماتها في الدفاع عن لبنان وحماية ثرواته.

المحاولات الخجولة لاستثمار مياهنا مؤخرا ما تزال بعيدة عن الهدف المرجو آلاف الاميال، وهي لم ترق بعد إلى مستوى الخطط العلمية الممنهجة المؤهلة للتنفيذ، ليبقى الأمل معلقا على رجاء الفعل واستمرار خيرات السماء. فألف شكر لزينة وشقيقاتها وأشقائها، رغم ما تخلفه من أضرار ومعاناة ليست قدرا محتوما، لكنها تتحول إلى تحصيل حاصل في ظل الظروف الحالية، التي نضرع إلى الله أن تتغير يوما، لنتمكن من الاستمتاع بالأبيض يكلل جبالنا وبالدفء يغمر قلوبنا والمنازل.

هي صورة سوداوية، لا بل هي أقل قسوة من الواقع. فنحن بلد التلوث البيئي القاتل وهدر المياه الجوفية والسطحية، رغم كل اللغو السياسي الفارغ والمحاضرات والخطط المزعومة، والمياه ثروتنا النادرة، كما النقط والغاز ثروتنا الكامنة، وكلاهما في بطن البحر المتوسط، وعين إسرائيل. لكن قوانا السياسية سخيفة وتافهة وتعج بالسماسرة الصغار.

دفعنا أكلاف الطرق والإنشاءات العامة للبنى التحتية وشبكات الكهرباء ومعاملها المجنزرة بسندات الديون. وما نزال نعيش حرمانا متواصلا من أبسط الخدمات. وفجأة تصحو إنسانيتنا على وجع النازحين، الذين شكلوا، منذ بدء العدوان على سورية، مصدرا لثروات من ذهب، في الكثير من البيوت السياسية التقليدية والمستجدة. واليوم يتحرك التجار بعنصرية وبقلوب غليظة، بعدما استنفذوا تجارتهم وسرقاتهم بالشراكة مع كبار موظفي الصناديق الدولية والعربية.

مسكينة زينة، لم تجلب إلاّ الخير، لكن ما ذنبها إذا كانت وعود جميع من وعدوا أهالي حي السلم وصحراء الشويفات بشبكات المجاري، وبوضع حل جذري لفيضان نهر الغدير كاذبة، وظلت الأوساخ تدخل غرف نومهم مع كل موجة أمطار، ومع زينة و أخواتها.

كثيرة هي المآسي الانسانية، وأكثر هي العائلات المفجوعة نتيجة أضرار العاصفة في مختلف المناطق، لكن الحقيقة الباقية هي أن لبنان، الذي يدّعي التحضُّر والحداثة، غير موجود في الواقع، فلبنان الحالي أقرب إلى غابة من غابات الإنسان الأول، يسودها التوحّش بصيغته الدارجة والمعروفة على ألسنتنا، “الشاطر بشطارتو”. فالشطارة بمعنى النصب والاحتيال والسرقة والتنظير على الآخرين، كانت وما تزال من أبرز مآثر نظامنا العظيم.

لم يتكرم أي من عباقرة السياسة في لبنان خلال أيام العاصفة بلفتة شكر واحدة لجنود الجيش اللبناني وضباطه وللمقاومين الموجودين جميعا على الحدود الشرقية والجنوبية، ليحرسوا احتفالات الأعياد التي ضج بعضها بفجور استهلاكي، لم يراع مرتكبوه وجع العوز والفقر والجوع في جميع أوساط الفقراء ومتوسطي الحال والنازحين طبعا.

“ابتسم انت في لبنان” هي الحكمة السمجة والحجة البلهاء، التي نكررها عندما نغرق في الطرق كما في المآسي.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى