مقالات مختارة

حملة ترامب الانتخابية هل تصبح نموذجا متبعا للساسة؟ د.منذر سليمان

 

     يتشاطر الساسة والمراقبون والناخبون الرغبة بفك لغز المرشح دونال ترامب وصعوده “المبهر والمفاجيء” للعديد من التوقعات، وهو الذي حصد ولا يزال كماً هائلاً من السخرية والتندر لتصدره المشهد السياسي واطاحته بكافة منافسيه في فترة زمنية قياسية؛ بل لما ستؤدي اليه حملته من شرخ وربما تفسخ في صفوف الحزب الجمهوري بصورته التقليدية .

       من اهم العوامل المساعدة تبرز الوسائل الاعلامية، والقنوات المتلفزة بشكل خاص، لاتاحتها فرصا ثمينة وبعضها مجانية للمرشح ترامب لنفث سمومه ضد كافة القطاعات الاجتماعية، دون ادنى قيد او ضبط لسان. ليست المرة الاولى التي “تتعاون” السلطة الاعلامية برمتها والاصطفاف الى جانب المؤسسة الحاكمة، وهي التي تشكل مكونا حيويا من مكوناتها غير قابل للانفصال. بيد ان المسألة جديرة بالدراسة الموسعة للتوقف عند دور “السلطة الرابعة” في تبني ونشر الخطاب السياسي “المركزي” واقصاء الآخرين خدمة للاستراتيجية العليا في التوسع والهيمنة والتبعية.

     قبل الولوج في حملة ترامب الانتخابية تجدر الاشارة الى تكون شبه اجماع في الرأي العام، مؤسسات وقادة سياسيون ومراقبون من شتى الاطياف، لماهية شخصية ترامب ونزواته. وقد اوجزت اسبوعية ذي نيشن “خصال” ترامب بالتالي: يغرق في اوهام العظمة؛ مخادع ومنافق؛ يتلاعب بالحقائق عن قصد؛ عنصري؛ اناني يطرب للتبجيل؛ ملياردير شبه فاقد لأي ادراك لطبيعة السياسات الخارجية والداخلية كمؤهل لتبوأ منصب رئيس الولايات المتحدة. ونضيف ان تلك “الخصائص” يشترك بها عامة الساسة الاميركيون في العصر الراهن، وان اختلف الاسلوب وتراوح بين عنصري فج وسلاسة الكلام.

     تاريخ الدولة الاميركية مليء برؤساء وساسة تحوم حولهم الشبهات، الاخلاقية والعملية على السواء، بيد ان حملاتهم الانتخابية شهدت بعض التميز في الحقبات التاريخية المتعددة – نسوق هنا مثال الرئيس الاسبق ريتشارد نيكسون وسلفه ليندون جونسون ، اللذين تركا بصماتهما على المشهد السياسي لعقود متعددة.

     الحملات الانتخابية الناجحة، بصرف النظر عن الانتماء الحزبي، تستدعي بلورة حضور سياسي مبكر وحسن ادارة واستقطاب قواعد جماهيرية متعددة المشارب، وتأطيرها في أطر منظمة، تسخر الاستفادة الى اقصى الحدود من وسائل التقنية المتاحة، لا سيما استطلاعات الرأي المتخصصة كي تعينها على صقل خطابها لقطاعات بعينها.

     كما ان هناك اجماع بين المراقبين للمشهد السياسي على حسن استخدام الرئيس اوباما تلك الادوات ابان حملتيه الرئاسيتين، 2008 و 2012، والفوز على خصمه المرشح الجمهوري ميت رومني، في الحالة الثانية، لا سيما جهود استقطاب قطاعات جماهيرية قل ان تشارك في الانتخابات.

     نظرة سريعة على طبيعة الحملات الانتخابية في المشهد الراهن تشير الى تطبيق واسع للمواصفات الواردة اعلاه، بيد ان نتائجها تراوحت بين ضئيلة (كلينتون) الى مخزية (جيب بوش وتيد كروز) على الرغم من الاموال الطائلة التي انفقت عليها.

     الشاذ عن تلك القاعدة، في الحزب الجمهوري، هو دونالد ترامب؛ والى حد بعيد منافسه عن الحزب الديموقراطي بيرني ساندرز. ترامب، من جانبه، رفض الانصياع لاستطلاعات الرأي الاولية واسلوب نمطية التوجه لقطاعات اجتماعية محددة، وانشاء آلية عمل تواكب الحملة الانتخابية عينها، وتسبقها في بعض المحطات. وفازت نظرته على كافة منافسيه وبأدنى كلفة بصرف النظر عن ثرائه الشخصي.

     يتبادر الى الذهن تساؤل مشروع حول مدى قدرة ترامب على الفوز بالانتخابات الرئاسية المقبلة مستخدما ذات الآليات سالفة الذكر التي وفرت له فوزا متتاليا في الانتخابات التمهيدية. وقد اوضح ترامب معالم استراتيجيته المقبلة لوكالة أ ب للانباء انه سيلجأ لحشد تجمعات انتخابية كبيرة، اينما استطاع، ودعوة وسائل الاعلام لتغطيتها في مواجهة منافسته المحتملة، هيلاري كلينتون.

     بعبارة اخرى، لا ينوي ترامب المراهنة على استطلاعات الرأي بكافة تلاوينها لطلب دعم الناخبين او انفاق مزيد من الاموال عليها، اذ ان “افضل الاستثمارات هي في التجمعات العلنية .. المشاركون يعودون لمنازلهم وابلاغ اصدقائهم بالمتعة السياسية. كانت ايجابية لحد الآن.”

     واضاف انه ينوي الاقتصاد بالانفاق على المؤشرات الانتخابية والسيناريوهات المتعددة لكسب العدد “السحري” من اصوات “الكلية الانتخابية،” التي تشترط حصول الفائز على 270 صوتا من مجموع 535 من اعضائها لنيل مصادقتها على الترشيح واعلان الفوز. بالمقابل، تسير المرشحة هيلاري كلينتون بخطوات حثيثة في الاتجاه الآخر لتطبيق معالم حملات منظمة بدقة، والتي طبقها بنجاح الرئيس اوباما في حملتيه السابقتين، وتنوي توظيف عدد من رموز تلك المرحلة في مسارها الراهن.

     عند هذا المنعطف، ينبغي الانتباه لدور المال الوفير في الحملات الانتخابية، خاصة بعد رفع المحكمة العليا كافة القيود والضوابط السابقة على حجم وكمية ووجهة التبرعات. منظمات معينة هدفها الاساسي جمع التبرعات تملأ المشهد السياسي على جانبيه، الجمهوري المحافظ والديموقراطي باجنحته المتعدة. احدها، غريت اميركا، اعلنت تأييدها لترامب متوعدة بمواجهة الشق البحثي والبيانات الخاصة بالناخبين التي تتحكم بها معاهد استطلاعات الرأي. علاوة على ذلك، يمتلك الحزب الجمهوري آلياته الخاصة المتطورة لجمع وتمحيص وتحليل البيانات، في مواجهة الآلية المتطورة ايضا لخصمه الحزب الديموقراطي.

تباهى ترامب مطلع الاسبوع الماضي باحدث استطلاعات الرأي فقد رأت ثلاث مؤسسات مختصة أن الفارق بينه وبين السيدة كلينتون يتضاءل باضطراد وربما سيتلاشى مع مرور الزمن.

     اما في بعض الولايات “الحرجة،” بالغة الأهمية لفوز اي من المرشحين، اوهايو وبنسلفانيا وفلوريدا، فقد اظهرت استطلاعات الرأي ان الفارق بين ترامب وكلينتون لا يتعدى نسبة 2%، التي عادة ما تحسب ضمن نسبة احتمال الخطأ في علم الاحصاء.

     ما تقدم من ملامح حملة ترامب الانتخابية قد يجد ارضا خصبة لتبنيها، او بعض خصائصها، في دول اخرى لا سيما في دول الاتحاد الاوروبي، كما جرى مع رئيس وزراء بريطانيا الاسبق توني بلير في استنساخ أهم خصائص حملة الرئيس بيل كلينتون، مطلع التسعينيات.

     في شق التكلفة المادية، ونظرا لاتساع الرقعة الجغرافية في اميركا، اصبح من المعتاد صرف كل من المرشحيْن ما ينوف على مليار دولار، كما فعل الرئيس اوباما في حملته الثانية، في ادارة حملة تقليدية تستند الى البيانات واللوائح الانتخابية. فما بال حال ترامب الذي ينفق مبالغ زهيدة بالمقارنة ويمضي من فوز الى آخر.

     العامل الانتخابي المشترك ايضا بين شطي المحيط الاطلسي هو النبض الشعبي العام، اذ استثمر ترامب حالة الغضب والاحباط من المؤسسة الحاكمة الى ابعد حد ممكن؛ وخاطب مناصريه ارتجاليا ودون خطابات معدة مسبقا او ضوابط اخرى، مما يضع المراقبين ووسائل الاعلام على السواء في حالة ترقب لما قد يصدر عنه من مواقف فورية. حقيقة الأمر ان خطاب ترامب السياسي، رغم هشاشته الفكرية وعدم استقامته السياسية، يلقى آذانا صاغية في المجتمع، يطرب له مؤيدوه والذين لا يجرء بعضهم على التفوه بآراء مشابهة او متطابقة.

     في سياق استطلاعات الرأي، سجلت المؤسسات المعنية بقياس النبض الشعبي احجام اعداد متزايدة من الناخبين عن المشاركة بتلك الاستطلاعات، الأمر الذي يضع عقبات اضافية امام الاستراتيجيات الانتخابية التقليدية للتوقف عند الميل العام. وهناك مؤشرات حية على احجام قطاعات من الناخبين في دول مثل فرنسا التقيد بقواعد اللعبة التقليدية، والاتعاظ بتجربة ترامب الخالية من اي قيود، مما دفع الحزب اليميني “الجبهة الوطنية” الى واجهة المشهد السياسي بصرف النظر عن حظوظه في الفوز الحاسم.

     رئيس الوزراء البريطاني، ديفيد كاميرون، اشاد بحملة ترامب ونجاحاته المتعددة، رغم تصريحاته السابقة المناهضة لمواقف ترامب. وقال كاميرون “اي فرد يستطيع تحمل السباق الرئاسي غير العادي، وترؤس حزبه للانتخابات العامة، يستحق احترامنا بكل تأكيد.”

     عمدة بلدية لندن المغادر لمنصبه، بوريس جونسون، يتزعم بصورة غير رسمية الحملة الشعبية المطالبة بخروج بريطانيا من قيود الاتحاد الاوروبي، واعرب عن مناهضته لتصريحات ترامب خاصة تلك المتعلقة بفرض قيود على المسلمين. بيد ان الآلية التي يوظفها جونسون لتحقيق هدف الخروج تحمل بصمات ميدانية من حملة ترامب، خاصة في استثمار الغضب الشعبي المناهض لهيمنة بروكسل على القرارات الاوروبية في مشهد مواز لمناهضة مؤيدي ترامب للسلطة المركزية في واشنطن. كما ان الناخب البريطاني ينتابه القلق من مسألة تزايد المهاجرين وقضايا اخرى تحمل مسؤولية التدهور للمؤسسة الحاكمة.

     في هذا الشأن، ينفق المعسكر البريطاني المؤيد للبقاء في الاتحاد الاوروبي اموالا طائلة لتسويق برنامجه، بمعدلات تفوق ما ينفقه الفريق الآخر كثيرا. استطلاعات الرأي البريطانية تشير الى تفوق الفريق الاوروبي بنسبة ضئيلة، حتى اللحظة.

     وتجد استراتيجية ترامب اصداءها ايضا في ايطاليا التي تتنامى فيها حركة مناهضة الاتحاد الاوروبي، يتزعمها رئيس “العصبة الشمالية،” ماتيو سالفيني الذي التقى ترامب شخصيا الشهر الماضي في فيلادلفيا وخلال انتخابات بنسلفانيا التمهيدية. تشير الاستطلاعات الاولية ان “العصبة الشمالية” تتمتع بدعم شعبي يتراوح بين 15 الى 30% في شمالي البلاد والتي تضم مدينة ميلانو الاكبر حجما وثراء في ايطاليا.

     قد يشكل صعود ترامب الهاما لزعامات طموحة رغم تواضع قدراتها في بلدان خارج الجغرافيا الاميركية.

ازمة الحزب الجمهوري ذاتية

     بداية، تباينات قيادة الحزب الجمهوري تنتمي لتيار المحافظين الجدد والمحافظين الاشد عنصرية، وغاب عن المشهد اي صيغة “معتدلة” حتى بمقاييس الحزب نفسه، ناهيك عن شخصيات تتمتع بالرؤيا والخبرة الدولية.

     في ذروة انتصاراته الانتخابية، اقدم دونالد ترامب على استحضار عملية اغتيال الرئيس الاسبق جون كنيدي في الوعي الجمعي “بالزعم” ان والد المرشح تيد كروز، رافائيل “متورط مع (الجاني) لي هارفي اوزوالد في اغتيال الرئيس كنيدي.” ربما نفخ ترامب في هذه الزاوية من باب الاجتهاد للنيل من منافسه الذي كان يتوعده بجولة قاسية داخل المؤتمر الحزبي.

     بيد ان “الاتهام” قد يخرج من باب التكهن الى حيز المعلومات. اذ اقدم المرشح تيد كروز على الانسحاب من السباق مباشرة بعد توجيه ترامب الاتهام لعائلته، ولرغبة “المؤسسة الأمنية” في اقفال الباب سريعا على اعادة فتح ملف الاغتيال، كما يُعتقد، بعد تسييجه بجدار سميك من السرية لما ينوف عن نصف قرن من الزمن، بمباركة الادارات الرئاسية المتعاقبة.

     لسنا في معرض الخوض في حقيقة الاتهام، وان كان البعض يرجح مصداقية بعض جزئياته، سيما وان ترامب استند الى مقالة نشرها ضابط الاستخبارات السابق في السي آي ايه، واين مادسين، منتصف شهر نيسان الماضي، يلقي فيها مزيدا من الضوء على تورط وكالة الاستخبارات المركزية وعملائها من اصول كوبية المقيمين في فلوريدا والولايات الجنوبية، ومنهم رفائيل كروز الذي جمعته باوزوالد صورة فوتوغرافية منشورة قبل عملية الاغتيال.

     الهدف كان اضاءة بعض “خفايا” الصراعات الحزبية في قيادة الحزب الجمهوري، مقابل ما يمثله ترامب، والتي يرجح انها مارست ضغوطا شديدة وقاسية على المرشح تيد كروز لاعلان انسحابه غير المتوقع في العرف الانتخابي. ومن ناحية اخرى وربما الأهم موقع ترامب “صعب المراس والتنبؤ” في صفوف الحزب الجمهوري. وعليه، سارع رئيس الحزب، رينس بريباص،إلى الاعلان عن ان ترامب اضحى مرشح الحزب “المفترض؛” وهو الذي تصدر سابقا الحملة الواسعة لاقصاء ترامب وايجاد البديل داخل اروقة المؤتمر لقطع الطريق على ترشح ترامب.

     اضطراب قيادات الحزب الجمهوري خرج من باب التكهنات الى العلن وانتهت الجولة الاولى بطلب قيادات الكونغرس ود ترامب ولقاءه في مبنى الكونغرس نهاية الاسبوع الماضي.

     بعض القيادات النافذة، آل بوش مثلا، رفضت دعم او تأييد ترامب، كما صرح بذلك علنا المرشح السابق جيب بوش، وتلاه الاب والاخ بوش. عند هذا المفصل الهام تنبغي اعادة النظر بشكل جاد بالاتهام الذي ساقه ترامب للمتورطين باغتيال الرئيس كنيدي، علما ان بوش الأب له باع طويل في تبني عملاء وكالة الاستخبارات المناهضين للرئيس الكوبي فيديل كاسترو، وكذلك بعد ان اصبح رئيسا و”نجاته” من خيوط فضيحة ايران – كونترا.

     بالمقابل، شعبية ترامب في ازدياد مضطرد كما اوردتها شبكة (ان بي سي) للتلفزة استنادا الى استطلاع للرأي نظمته حول المسألة. وقالت ان نحو 85% من الناخبين الجمهوريين والذين يميلون لدعم مرشح جمهوري سيصوتون لصالح ترامب، بالتزامن مع تتويجه لنجاحاته الاخيرة قبل انعقاد مؤتمر الحزب.

     امام هذا المشهد المليء بالمفاجآت من مرشح “تصعب السيطرة عليه،” ستدنو بقية قيادات الحزب الجمهوري تدريجيا نحو ترامب وتأييده في الانتخابات العامة المقبلة ضد منافسته هيلاري كلينتون. لا شك ان قلة من اولئك القادة والنخب الفكرية سيترفعون عن تأييد ترامب تحت اي ظرف كان، بيد ان ما تبقى من هيبة وآلية الحزب الجمهوري ستصطف خلفه، سيما وان كلينتون تعاني من عزلة داخل قواعد الحزب الديموقراطي واقلاع قطاعات معتبرة من الناخبين عن تأييدها.

     يضاف الى ذلك عامل امكانية تقديم كلينتون للمحاكمة على خلفية مراسلاتها الالكترونية ابان فترة توليها وزارة الخارجية بمعزل عن الاجراءات المتبعة، كما يشيع خصومها. في هذه الحالة، قد يبرز المرشح بيرني ساندرز مرشحا عن الحزب الديموقراطي في مواجهة دونالد ترامب. الخارطة الانتخابية تشهد تبدلات وانقلابات متعددة في معظم مراحل الانتخابات العامة السابقة: ديموقراطيون لدعم رونالد ريغان؛ جمهوريون “قد” يصطفون لمعسكر كلينتون نكاية بمرشح الحزب الجمهوري المنتظر.

     المفاجآت السياسية على الابواب ومفتوحة على عدة احتمالات. العبرة في العمل السياسي، كما القول الاميركي المأثور “اسبوع من الزمن يمثل دهرا في السياسة.”

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى