هذا ما كانت والدتي المرحومة تردّده حين ترى أناساً في قريتنا الصغيرة يسرفون أموالهم في غير موضعها أو لا يحسنون استخدام ما وهبهم الله من أرزاق أو من مال. ولم أكن أعلم وأنا طفلة صغيرة ماذا تعني هذه العبارة، ولكني وبعد أن كبرت وخبرت الحياة جيداً وجدت نفسي أتفق تماماً مع عمق وصحة هذا المثل. ولا أعلم لماذا احتلّ هذا المثل جزءاً من تفكيري ورفض أن يغادرني وأنا أراقب هتلر القرن الواحد والعشرين أردوغان يستخدم كلّ ما أوتي من قوة الأكاذيب والتمثيل والنفاق لينقضّ على ليبيا ومواردها النفطية بعد أن تقاسم الفرنسيون والإيطاليون أيضاً الجزء الأكبر من هذه الثروة التي يسلبونها من الشعب الليبي بعد أن سلبوه أمنه وحريته واستقلاله وحقه في حياة عزيزة كريمة.

ليبيا التي تمتلك أجمل الشواطئ على البحر المتوسط وأجمل الآثار التاريخية وثروة نفطية هامة جداً، تتسابق الدول لنهبها وتسخيرها لبناء بلدانهم وإيداع الشعب الليبي في غياهب الجهل والفقر، ليبيا تذكرنا بنهب ثروات الخليج بكلّ دوله حيث يحصد ترامب آلاف مليارات الدولارات من نفط وثروات دول الخليج كما أنه يكمل المهمة التي بدأها أسلافه بنهب نفط العراق والذي يعتبر أكبر احتياطي للنفط والأكثر استدامة أيضاً للسنوات المقبلة. ولا يستطيع المرء إلا أن يجري مقارنة بين الثروات التي منحها الله لهذ البلدان العربية وبين الحال الذي نجد هذه البلدان عليه؛ ففي الوقت الذي تستخدم هذه الثروات لبناء وازدهار بلدان استعمارية غنية تبقى الأرض وشعوبها التي تحتوي على هذه الثروات فقيرة ويبقى شعبها مفتقداً للأمن والأمان والازدهار ومواكبة التقدم العلمي والتقني الذي يشهده العالم. فما هو السبب في هذه المعضلة التي تشكّل أمراً محيّراً ليس في تاريخ هذه البلدان التي أسميناها وإنما في معظم بلدان أفريقيا وعدد من دول آسيا وأميركا اللاتينية؟ بحيث يصبح السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: هل المهم امتلاك الثروة أم الأهم هو القدرة على التحكم بهذه الثروة والتصرف بها؟ وماهي الشروط والقواعد التي تضمن استخدام هذه الثروات لمصلحة البلاد والعباد؟ وإذا عدنا إلى المثل البسيط الذي بدأنا منه بأن درهم مال يحتاج إلى قنطار عقل نستنبط من هذا المثل بأن مثل هذه الثروات الهائلة التي تمتلكها دول الخليج والعراق وليبيا من النفط والغاز تحتاج إلى عمل فكري مضنٍ كي يتم ضمان حسن استخدامها وفي الوقت والطريقة المناسبين لما فيه مصلحة الأوطان ومصلحة الشعوب. إنه لأمرٌ مفجع بالفعل أن نرى هذه الدول العربية والتي تمتلك كل هذه الثروات لا تحتل وزناً أبداً على الساحتين الإقليمية والعالمية، بل على العكس من ذلك فإن العثماني الجديد الذي أرسل آلاف الإرهابيين والتكفيريين من أرضه لتدمير سورية وتسبّب في نزوح ملايين اللاجئين الذين يتاجر اليوم بهم مع أوروبا ويبتزها باسمهم نراه اليوم يسنّ أسنانه للانقضاض على ليبيا لإدخالها في حرب أهلية وفوضى سرمدية تسمح له وللطامعين أمثاله بنهب ثروات ليبيا الكبيرة والكثيرة واستخدامها لحلّ مشاكلهم الاقتصادية ولخلق الازدهار في بلدانهم، بينما يضمنون استمرار استعار الحرب في هذا البلد كي لا يتمكن أبداً من خلق نظام حكم قادر على الإمساك بزمام الأمور وإحلال السلام والأمان والالتفات إلى خلق تنمية حقيقية للشعب وضمان أن يكون هذا الشعب هو سيد الموقف وهو المؤتمن الوحيد على التصرف بهذه الثروات لما فيه مصلحته هو، ومصلحة أبنائه وأحفاده.

المعادلة اليوم في العالم العربي تُري الاستهانة بالعرب جميعاً وخلق الفتن والحروب لهم والتنكيل بهم بكل الطرائق الممكنة كي لا تقوم لهم قائمة وكي لا يتمكنوا أبداً من التوصل إلى مرحلة الإمساك بمقدراتهم واستخدامها لما فيه خيرهم وخير شعوبهم. والأكثر من هذا أننا نشهد اليوم تحالفات وتجاذبات تزيد من قواعد الفرقة بين أبناء الأمة الواحدة بعد أن بدأوها بالتعاون مع المعتدي للانقضاض على العراق ومن ثم التعاون مع الإرهاب والذي هو أداة العثمانيين الجديدة للانقضاض على سورية وتدمير مؤسساتها وبناها التحتية، واليوم يحاول العثماني الجديد الانقضاض على ليبيا ويحاول أن يستجمع معه بعضاً من العرب الآخرين كي تصبح تونس ومصر والجزائر مكشوفة له بعد أن احتلّ أجزاء من سورية والعراق ويحاول بالفعل أن يستبيح بلداننا العربية لإعادة تشكيل سلطنة عثمانية جديدة تنهب ثرواتنا وتقتل أبناءنا تماماً كما فعلوا في تاريخ غير بعيد، وللأسف وفي كلّ هذه المحاولات هناك طابور خامس في بلداننا وعلى مستويات مختلفة يتعاون مع الخصوم والأعداء الذين يستهدفون بلداننا وشعوبنا.

      ويأتي كلّ هذا في مرحلة يمر بها العالم برمته بمخاض جديد وبحسابات جديدة وآفاق جديدة وآمال جديدة تنهي النظام الذي أنتجته الحرب العالمية الثانية وترسي أسساً لنظام عالمي جديد لا نعلم بعد ما إذا كان سيكون أكثر عدلاً أم أكثر إجحافاً. هذه هي النقطة المهمة هنا: أين سيتموضع العرب في هذا النظام العالمي الجديد؟ وهل يدركون فعلاً مجتمعين أو متفرقين حجم التحديات التي تواجههم في هذه المرحلة والتي تؤسس لمستقبل بلدانهم وعلاقاتهم وأجيالهم؟ إن التحديات التي يواجهها العرب جميعاً كبيرة جداً وحقيقية، تبدأ من الانقسامات التي خُلقت لهم، والحروب التي يخوضونها ضد بعضهم والتي ساهمت في إضعافهم وأثارت طمع الأعداء والمتربصين بهم. وفي هذا الصدد يجب ألا نفصل أبداً بين صفقة القرن وموقف الولايات المتحدة الظالم من القدس والجولان واعترافها بالكيان الظالم الصهيوني والذي يناقض حق الشعب الفلسطيني في أرضه. يجب ألا نفصل بين كلّ هذا وبين تجرّؤ ترامب على ثروات دول الخليج وحتى على النفط السوري، وبين انفلات أردوغان من عقاله وترتيبه صفقات سرية مع الناتو ومع أعداء العرب لاستكمال العبث بموارد هذه الأمة ومستقبل أوطانها. لا يصدّق عاقل أبداً أن أردوغان قادر على أن يرسل مئات الآلاف من الإرهابيين إلى سورية دون موافقة أسياده وأعوانه وأنه قادر أن يحتل جزءاً من هذه البلاد دون التعاون الحقيقي والوثيق مع الإرهابيين ومشغليهم. والأمر ذاته ينطبق على موقفه من ليبيا اليوم وعلى محاولاته عقد صفقات كي يصبح دخوله إلى ليبيا عاملاً أساسياً في صياغة سياسة ومستقبل الإقليم ولهذا فهو يحاول التوجه إلى تونس والجزائر لزيادة الفرقة طبعاً بين هذه الدول من جهة وبين مصر والسعودية والإمارات من جهة أخرى؛ الأمر الذي سيترك آثاره العميقة على مستقبل العلاقات العربية العربية وعلى قدرة أي دولة عربية التعاضد والتعاون مع الدول العربية الأخرى لما فيه خيرها جميعاً. أوليس هذا هو بالذات ما عملت الصهيونية على إرسائه في بلداننا العربية ألا وهو منع أي تقارب أو تعاون بين أي بلدين عربيين مهما كلف ذلك من ثمن؟ لأنّ أي تعاضد أو تضامن بين أي بلدين عربيين قد يوضح للآخرين الآثار العظيمة لهذا التعاضد وقد يسبب عدوى بتضامن عربي أكبر وأشمل، وهذا ما تعتبره الصهيونية قاتلاً لها ولأحلامها في التوسع في هذه المنطقة على حساب العرب جميعاً. السؤال هو: ماهي التفاهمات العميقة بين العثماني الجديد وبين هؤلاء الذين عملوا على مدى عقود لدبّ الفرقة والانقسام بين العرب واليوم يعملون على تفتيت البلدان العربية من الداخل؟ وهل يحاول أردوغان الانتقام للتحالف الذي أجراه العرب مع القوى الغربية في الحرب العالمية الأولى للتخلص من السلطنة العثمانية ويودّ أن يقلب الطاولة بعد قرن من الزمن تماماً، ليتماهى مع الغرب ومصالحه في المنطقة ويشنّ حرباً ناعمة وخشنة على أي بلد عربي يتمكن من شن حرب عليه ونهب ثرواته واستخدامه كسوق لبضائعه؟ وهل سيترتب على ما يقوم به أردوغان اليوم قرناً آخر من المعاناة العربية ضد القوى التي تستهدفهم والتي تتشكّل اليوم من عثمانية جديدة وغربية وصهيونية طامعة في ثروات العرب ومصممة على الردّ على ما قام به العرب منذ قرن ضد السلطنة العثمانية والذين غدرت بهم القوى الغربية ليواجهوا اليوم تحديات أخطر مما واجهوه في كل تاريخهم تبدأ بنهب ثرواتهم لتسرع الخطى بنهب هذه الثروات ذاتها للسيطرة عليهم وحرمانهم من أي أمن أو أمان أو نفوذ إقليمي أو دولي؟ فهل يستيقظ العرب لهذا التحدي الخطير قبل فوات الأوان وهل يُعملون العقول والحكمة بدلاً من الانسياق وراء من يستهدفهم في العمق ولعقود وربما لقرون قادمة؟ وهل سيكونون قادرين على استبدال العثمانية القديمة الجديدة والهيمنة الامبريالية الغربية والصهيونية بالتوجه شرقاً وخلق شراكات على أسس الندية والاحترام المتبادلين مع الصين وروسيا وإيران الذين يشكلون قطباً بديلاً للأقطاب التي عاثت بالعرب وثرواتهم فساداً وظلماً واستيطاناً ونهباً؟

(1205 كلمة)