Get Adobe Flash player

yamanns

غالب قنديل

تردد وسائل الإعلام الخليجية شعار "إعادة التوازن " وهي تستعرض في تبريراتها للحرب على اليمن مجموعة من الذرائع التي تحشدها في مناخ التحريض الموتور الذي تثيره العاصفة الإعلامية الترويجية التي تنطوي على قدر كبير من الأوهام الجاري بثها بصدد الحدث الخطير وأبعاده وتفاعلاته.

اولا فرضية إعادة التوازن تنطلق من مفهوم للأمن القومي العربي مبني على أولوية العداء لإيران وتنطلق هذه الرؤية من أولوية التصدي لما يسمى بالنفوذ الإيراني في المنطقة وهي نظرة مبنية على تنحية التحدي المصيري والأمني الاستراتيجي الذي تمثله إسرائيل وعصابات الإرهاب التكفيرية كمصدر للتهديد الوجودي الذي يتربص بالبلاد العربية .

تقدم الحملة صورة زائفة عن الأحداث للجمهور وتصورها بثوب النزاع المذهبي الافتراضي الذي أشاعته الآلة الإعلامية الخليجية ومعها الإمبراطوريات الإعلامية الغربية التي صورت كل ما يدور من صراعات في المنطقة على هذا النحو منذ ثمانينات القرن الماضي بعد سقوط شاه إيران وصعدت من تعبئتها بعد تحرير الجنوب اللبناني للجم صعود نجم المقاومة التي انتصرت على إسرائيل وقهرت "القوة التي لاتقهر" ففضحت قصور السياسة الرسمية العربية التي تركزت لعقود متلاحقة على محاولة تطويع الراي العام العربي لقبول تصفية قضية فلسطين والاعتراف بإسرائيل.

المشكلة ان الحدث المحوري الذي أريد منه تسعير التشنج المذهبي يستهدف اليمن الذي لم يعرف احتكاكا مذهبيا طيلة قرون من الزمن خلافا لحال دول عربية أخرى عاشت التباسات تلك الآفة كلبنان والعراق.

زادت وتائر الدعاية المذهبية المنظمة في زمن ما سمي الربيع العربي على الرغم من وجود شواهد معاكسة منها الاقتتال الدموي في ليبيا والصراع المتفجر في مصر ضد تنظيم الأخوان المسلمين وجماعات التكفير وكذلك المجابهة الضارية بين الدولة الوطنية السورية وخليط من الفصائل القاعدية والأخوانية يضم عشرات آلاف المحاربين الأجانب المدعومين من حكومات تركيا وقطر والسعودية والأردن والحلف الأطلسي وحيث يدور النزاع حول هوية الدولة السورية وموقع هذا البلد المحوري ودوره في المنطقة وفي الصراع مع الكيان الصهيوني الذي يدعم قوى التكفير جهارا من الجولان المحتل.

ثانيا يمثل اليمن موقعا جغرافيا مهما بمساحته الشاسعة التي تتخطى نصف مليون كيلومتر مربع وهو ثقل سكاني مهم بملايينه الخمسة والعشرين وإضافة لذلك يتسم بأهمية استراتيجية بفعل موقعه المميز على عقدة النقل العالمي للنفط والسلع التجارية بين البحار والقارات حيث تمر سنويا من مضيق باب المندب الآلاف من ناقلات نفط الخليج وناقلات البضائع الأخرى بين آسيا وأوروبا وحوض المتوسط وشمال أمريكا.

وتذهب التقديرات إلى أن 13 بالمائة من إنتاج النفط العالمي، أي نحو 4 ملايين طن تمر يوميا عبر المضيق باتجاه قناة السويس ومنها إلى بقية أنحاء العالم. ويمر عبر باب المندب سنويا ما يزيد على 21 ألف سفينة محملة بشتى أنواع البضائع. وعلى الصعيد الإقليمي يشكل المضيق شريانا حيويا للتجارة في الدول المطلة على البحر الأحمر بدءا باليمن وانتهاء بمصر مرورا بجيبوتي وارتيريا والسودان والسعودية وإسرائيل والأردن. ويشكل المضيق بوابة لقناة السويس. وعلى الصعيد الدولي يحتل المضيق المرتبة الثالثة عالميا من حيث الأهمية الإستراتيجية بعد مضيق هرمز ومضيق ملاقا.

هذه العوامل تجعل من الهيمنة على اليمن هدفا ثمينا للمملكة السعودية وللولايات المتحدة وإسرائيل ودول الغرب ولذلك فالغاية الرئيسية للعدوان هي استرجاع تلك الهيمنة التي تآكلت بفعل ثورة الشعب اليمني وبعد اتخاذ الحركة الشعبية اليمنية من شعار الاستقلال ورفض الهيمنة السعودية الغربية عنوانا للانتفاضة التي انطلقت اواخر أيلول 2014 بشعارات وطنية وبمضمون اقتصادي اجتماعي تحرري كما شاركت فيها قوى وكوادر وشخصيات يمنية من مختلف المشارب والتوجهات والمنابت القبلية والجهوية في اليمن وحيث لعبت حركة انصار الله ومعها المؤتر الشعبي العام وقوى سياسية اخرى عديدة دورا حيويا في التحرك لوقف انحلال مؤسسات الدولة ولمنع تعطيل آلية تنفيذ تفاهمات الحوار الوطني التي أقحمت فيها على يد الرئيس المستقيل منصور هادي وبطلب أميركي صيغة الأقاليم لمحاولة تقسيم البلاد وضرب وحدتها السياسية والإدارية بينما صعدت جماعات الإرهاب ( داعش والقاعدة ) من نشاطها الإجرامي وفشلت الحملة الأميركية التي اوجدت قاعدة امنية في اليمن بذريعة التصدي للإرهاب منذ سنوات.

ثالثا فرضت انتفاضة أيلول سبتمبر انهيارا سريعا في صيغة الحكم التي أقامها تنظيم الأخوان المسلمين بدعم من التحالف القطري السعودي فتوهمت المملكة السعودية باديء الأمر إمكانية فرض التقسيم انطلاقا من تحصن القوى الرجعية التابعة في الجنوب بعد فرار هادي إلى عدن ولكن فصول التداعي والتآكل تواصلت بسرعة امام زحف الجيش اليمني واللجان الشعبية الثورية التي لاقت احتضانا شعبيا واسعا وهكذا تم تنفيذ خطة العدوان الجوي لمنع قيام هياكل الدولة الوطنية وعلى امل ان تولد الضربات الجوية تغييرا ميدانيا يسمح لفصائل التكفير ولفلول هادي بتجيمع قواها واستعادة زمام المبادرة ولكن ماحصل واقعيا يشير إلى العكس تماما فقد تحقق تحولان كبيران سيكون لهما تأثير كبير على مسار الصراع في الأسابيع القادمة :

التحول الأول مناخ شعبي يمني متزايد الاتساع محوره الدفاع عن الوطن ضد العدوان ورفض الإذعان للهيمنة السعودية الأميركية مجددا وقد أظهرت التغطيات الإعلامية مسيرات شعبية كبيرة ومؤشرات لتغير جذري في مواقف شخصيات وقوى كانت تناصب حركة انصار الله خصومة سافرة وباتت تقف إلى جانبها في الدفاع عن اليمن وتشاركها الإعداد لمجابهة العدوان .

التحول الثاني تقدم الجيش اليمني واللجان الشعبية الثورية على الأرض لتطهير المناطق اليمنية الجنوبية والوسطى من فلول الإرهاب التكفيري ومن الميليشيات الرجعية المرتبطة بحلف العدوان وهذا التحول المحتضن شعبيا يمثل فشلا لمراهنة حلف العدوان على فعل الضربات الجوية التي لم تنل من الحالة المعنوية وضاعفت من صحوة الوطنية اليمنية وعززت حس التعالي على الخلافات الداخلية خصوصا مع تمسك قيادة انصار الله بمبدأ الحوار والشراكة اتجاه سائر القوى اليمنية الحية.