غالب قنديل

يتوهم البعض في لبنان ومنذ عقود وجود إمكانية لإحياء النموذج الريعي التابع، الذي قام وعاش عصره الذهبي قبل عقود الى أن وقع الانهيار الكبير بعد سنوات من محاولة إحياء ذلك النموذج الاقتصادي، الذي اعتُبر ذات يوم معجزة فريدة في المنطقة والعالم.

 

أولا: إن نظرة واقعية الى الاقتصاد اللبناني خلال السنوات الأخيرة، تفرض الاعتراف بكارثة شاملة، أقحمت البلاد في مخاض نضوب للثروة وشحّ لمواردها، كما أقحمت اللبنانيين في دوامة تسوّل المساعدة والحقن المالية من سنوات طويلة، عبر استجداء الديون والمساعدات، حتى تراكم دينٌ ثقيل تضخّم مع فوائده، ستحمل وزره الأجيال المقبلة. ولم تقم في البلد أبدا أيّ مبادرة منتجة ومجدية لمراكمة مقدرات اقتصادية ومالية، تسمح بالسيطرة على المأزق، وتؤسس للانتقال الى مرحلة جديدة من التوازن والتعافي التدريجي.

العقل الريعي في لبنان يعمل على طريقة الكازينو في مقامرة خطرة، وهو يدير الاقتصاد والمالية العامة خارج أيّ سعي جدي الى تنمية موارد الثروة الحقيقية، وذلك هو مفتاح الخلاص الفعلي. وهو لا يرتبط فقط بتفكير جديد محوره التنمية الصناعية والزراعية والاستثمار في تنمية الطاقة البشرية المميزة، بل يتطلب أيضا الى ذلك إعادة رسم الخيارات السياسية الكبرى، لأن تطوير الإنتاج على قاعدة الاستقلال الوطني يفترض شراكات متكافئة عربيا ودوليا وخارج آليات الهيمنة الغربية والخضوع لمشيئتها.

ثانيا: بكل بساطة، وبكل أسف، إن جميع الوصفات المطروحة تحت عناوين الإنقاذ تخلو كلّيا من مواجهة التحديات الحقيقية، التي يستدعي الخروج من الكارثة مجابهة صريحة لها وسعيا الى حلّها. وهذا أمر يرتبط قبل كلّ شيء بخطة وطنية شاملة لإحياء موارد الثروة ولتنمية الصناعة والزراعة على أرضية حماية الاستقلال الوطني والسيادة الوطنية، ورؤية واضحة لخطوط الشراكة المجدية في المنطقة والعالم، التي تخدم الاقتصاد ونموه. وفي جميع بلدان العالم لم تنهض أيّ تجربة اقتصادية من غير التصدّي لهذه المسائل. بينما يستغرق النادي السياسي اللبناني في اجترار وصفات مستهلكة، واستلهام نماذج وتجارب لا تجدي نفعا في الردّ على التحديات التي تواجه الاقتصاد اللبناني. بل إن الخطير هو التصميم السياسي والنخبوي على إدارة الظهر للتحديات الحقيقية. فأين هو التصوّر حول الشراكات الإقليمية والدولية المجدية اقتصاديا؟. وأين هو التعريف العلمي للمصالح اللبنانية في ظل التغييرات الهائلة التي حصلت في المنطقة والعالم؟. وهل يعقل أن نتحدث من جديد عن إنهاض الاقتصاد اللبناني من غير تصور حول مستقبل الشراكة الممكنة مع سورية أو مع إيران أو مع الصين وروسيا، ومن غير فهم واضح لمستقبل الصناعة اللبنانية والزراعة اللبنانية وأولوياتهما، وإعادة صياغة فهم لبناني جديد لدور قطاع الخدمات، الذي عصفت فيه عالميا تغييرات جوهرية، ونحن متخلفون عن ركبها، بكل أسف.

ثالثا: إن جميع النقاشات الاقتصادية اللبنانية، أو معظمها حتى لا نظلم البعض، لا تلامس القضايا الجوهرية ولا تقاربها، بل تتحاشاها. وذلك قصور خطير فكري وثقافي وسياسي، يعكس تخلفا خطرا وعجزا عن الابتكار والتفكير في الآفاق الواسعة، وتصميما على اجترار وصفات مجرّبة وبائسة، وخضوعا لمنطق الهيمنة والتبعية.

إن تفكيرا جديدا  يجب أن ينطلق دون تأخير بدل الاسترسال في اللهاث خلف هوامش غير مجدية، تسبح فيها الوصفات المتداولة ضمن دائرة تجيب المجرّب، وهي تقوم أصلا على الخضوع لمنطق الهيمنة الغربية اللصوصية ومواصلة لحس المبرد في ملكوت النموذج الريعي التابع. فلم نقع للأسف، على مشروع جدي يرسم تصورا لدور لبنان الاقتصادي ركيزته الانتاج والشراكات الإقليمية المجدية والمتكافئة. بل إن جميع الوصفات تدور في فضاء الهيمنة الغربية والأميركية وفي خدمة النموذج الريعي غير المنتج، ولا شيء في الخطط والمقترحات ما يضع في حسابه التغييرات الهائلة، التي شهدتها المنطقة والعالم خلال السنوات العشر الأخيرة، والتي سجّلت انعتاق المارد الصيني، وتبلور خرائط جديدة في العالم والمنطقة للأسواق والموارد، تفرض نفسها على أيّ باحث جدي في الشؤون الاقتصادية، يريد تشخيص الفرص المتاحة التي يمكن للبنان أن يبلور على قاعدتها مضمونا لدوره الاقتصادي وللشراكات المجدية، التي يجب أن يتطلّع اليها بدلا من اجترار الماضي الخدماتي البائد والتعويل على استرجاعه في نوستالجيا مريضة لا طائل منها.

فالعالم تغيّر عن بكرة أبيه، وما مضى قد مضى، ولا يفيد البكاء على أطلال زمن العزّ الخدماتي، الذي انقضى، وتبدّدت مدّخراته في خزائن طغمة لم تستثمر شيئا في بناء قاعدة لمستقبل اقتصادي آمن. بينما البلد يواجه خرابا عظيما ودمارا شاملا، هو أكبر بكثير من طاقة المساعدات المتخيَّلة، الذاهبة الى شحّ سيرفع كلفتها الاقتصادية والسياسية على البلد.

وللبحث صلة.