Get Adobe Flash player

غالب قنديل

بعيدا عن التذاكي والتحايل والمجاملة وبكل صراحة ووضوح يطرح موقع لبنان في الاستقطاب العالمي والإقليمي الكبير في قلب الجدل الذي استثاره خطاب الحياد مجددا وهو مستعاد من حقب سابقة لاتفاق الطائف الذي لايعامل بكل أسف على انه حسم شيئا لا عن هوية البلد ولا عن موقعه من الصراع العربي الصهيوني الذي له فيه ما يعنيه على غير صعيد وعلى مستوى هوية لبنان وانتمائه العربي أو على صعيد مفهوم العلاقة اللبنانية السورية المميزة التي علقت جميع مستوياتها الرسمية رغم توقيع عشرات الاتفاقات الثنائية في العقود الثلاثة الماضية.

 

أولا المسألة الحرجة التي تشغل مراكز التخطيط الغربية في السنوات الأخيرة هي خطر اندماج لبنان في حركة الاستقطاب الكبرى على مساحة المنطقة والعالم إلى جانب محور المقاومة والتحرر المناهض للهيمنة وقد بنيت خطط التدخل والضغط والتأثير خلال السنوات الأخيرة على منع التواصل اللبناني السوري واعتراض أي تطور محتمل في الشراكة اللبنانية السورية واللبنانية الإيرانية ويلقي الغرب وأعوانه اللبنانيون بثقلهم اليوم ضد الدعوة إلى التوجه شرقا وتحقيق شيء من التوازن في علاقات لبنان الاقتصادية وشراكاته التجارية والمالية بين الشرق والغرب لدرجة التشدد في اعتراض أي تجاوب محتمل مع عروض اقتصادية وتمويلية غير مشروطة رغم الانهيار الكارثي الذي يستغرق فيه الاقتصاد اللبناني وعلى الرغم من الضيق والاختناق المعيشي الذي يقرع أبواب يوميات اللبنانيين بشدة مؤخرا.

ثانيا المسألة الفعلية وبغض النظر على النوايا هي الدعوة لمنع لبنان من التموضع في معسكر مناهض للهيمنة وخضوعه تماما لدفاتر الشروط الأميركية والغربية ورضوخه لانحياز سياسي يناقض مصالحه وحتى الآن يمكن القول إن الغرب واعوانه يقابلون العروض الشرقية السخية التي طرحت من قبل الصين وإيران مع استعداد روسي مبدئي بوعود غير موثوقة محورها تقطير القروض وهي مقرونة بشروط مالية وسياسية تمس السيادة الوطنية وتشد الخناق الاقتصادي والسياسي على البلاد مع العلم ان الصين وروسيا وإيران لم ترفق عروض الإنقاذ الاقتصادي والمالي بأي شرط سياسي.

الاختيار هو بين الانفتاح على الشرق دون القطيعة مع الغرب وبين الحفاظ على لبنان تحت الهيمنة الغربية والحياد هو مجرد غلاف تسويقي مجرب سابقا وقد استعمل في العقود الماضية لتمويه خيارات منحازة ومتخندقة في المعسكر الغربي ومحوره الإقليمي بكل وضوح.

ثالثا سعى منتجو الخطب الحيادي إلى إرباك خصوم الغرب عندما حملوا منتجهم للبطريركية المارونية واستمدوا لأطروحتهم حصانتها الدينية والمعنوية ومكانتها لدى الواقع السياسي اللبناني وما يمكن ان تثيره من ارتباك شعبي وسياسي في صفوف انصار الرئيس ميشال عون وتياره السياسي وهو ما يحقق غاية مهمة في التخطيط الأميركي الصريح والمعلن لمحاولة إضعاف المقاومة عبر إضعاف حلفائها وشركائها في معادلة السلطة وتوازناتها منذ انتخاب العماد ميشال عون وظهور مواقفه القوية والحازمة في تبني شرعية المقاومة والدفاع عن دورها في مجابهة العدوان الصهيوني وفي التصدي الحاسم لغزوة التكفير التي كانت حربا أميركية بالواسطة على سورية ولبنان والعراق وانطوت على خطة لإعادة تشكيل الجغرافية السياسية للشرق العربي باقتطاع مناطق شاسعة من البلدان الثلاثة لمشروع تنظيم الدولة الإسلامية التي أسسها قادة التكفير القاعديون الذين نظمهم الأميركيون وجهزوهم في معسكراتهم ومعتقلاتهم على أرض العراق بعد الاحتلال.

رابعا يوظف الأميركيون مناخ الاضطراب السياسي الناشيء عن الأزمة الاقتصادية لتفعيل وجوه متعددة من عمليات استنزاف ومحاصرة الرصيد الشعبي والسياسي للمقاومة وحلفائها عبر الضغط على الحكومة ولشل مبادراتها المعلقة نحو التعامل الجدي مع العروض الصينية والعراقية فقد نجح الترهيب الأميركي وتفعيل الضغوط الداخلية في وقف التجاوب الحكومي عند حدود تسلم كتب الاهتمام ورسائل العروض الرسمية من غير اتخاذ خطوات عملية موعودة كانت تتضمن إرسال وفد وزاري إلى العراق ودعوة وفد صيني إلى لبنان وخطوة مفترضة نحو سورية لبحث الشراكة الممكنة والتسهيلات المتاحة وقد استعمل المخططون الأميركيون مباحثات الحكومة مع صندوق النقد الدولي لتجميد الخطوات العملية اللبنانية الرسمية بينما يشاع الكثير من التهويل والترهيب لتدعيم هذه الحالة واستجلبت فزاعة المحكمة الدولية وقرارها المرتقب والمعروف لتزيد من تفعيل مخاطر الانقسام الداخلي ...إنها حلقة العصا والجزرة لإحكام القبضة الاستعمارية وليس سواها وسط كل هذه الفوضى السياسية والإعلامية.