غالب قنديل

لاينبغي أن تعمي الأحداث الصاخبة عيوننا عن الجوهري وراء كل ما يجري في لبنان وهو في قلب الجغرافية السياسية للصراع الكبير والطاحن الدائر في المنطقة والعالم ولا يضللنا ضجيج التحركات الشعبية التي تحمل شعارات نملك حرية السؤال عن خلفياتها وأهداف واضعيها بوعي نقدي يمنع  الالتباس والشبهة في فهم ما يجري بالانسياق خلف الحماس وبالإخلاص لفكرة الانحياز إلى الفقراء او باقتناص الفرصة لحضور شعبي ومضاعفة الرصيد الممكن من المناصرين والمؤيدين بالتقرب إلى مزاج عارم من التطرف والرفض والحدية صنعته بالتراكم آلة إعلامية مبرمجة وغير ساذجة وغير منزهة عن حسابات المصالح والصفقات والأجندات كما تقول خبرتنا معها خلال السنوات الأخيرة من احداث المنطقة وحروبها.

 

أولا مع انحسار زخم الساحات بعد الأيام التي انصرمت من الهبة الشعبية الغاضبة تراجعت الشعارات التي طرحت في البداية من نوع إسقاط النظام واستقالة الرؤساء ليصبح الضغط مركزا على شعار حكومة تكنوقراط ومعه انتقل "الحراكيون" بقواهم الضاربة من الحشد في الساحات إلى قطع الطرقات بواسطة مجموعات صغيرة منظمة بالعشرات تضم خليطا من الساخطين العفويين وبعض المشبوكين بخيوط تنظيمية تمسك بها جهات سياسية وغرف تخطيط جاهزة لشل الحركة الاقتصادية وقد تجاهل جميع أصحاب النوايا الحسنة ان مشاركتهم في الحراك تضعهم في مجابهة صارخة مع قطاع من شعبهم يريد العودة إلى دورة الحياة بمن في ذلك الراغبون باستمرار التجمع في الساحات خارج اوقات العمل لمتابعة الضغط من اجل المطالب المتناثرة المتصلة باحوالهم المعيشية ومشاكلهم المتعددة وقد تحولت حواجز قطع الطرق إلى منصات لشتم اللبنانيين غير المشاركين وإهانة العابرين بما يخرج عن أدبيات الاحتجاج البريء ليتحول إلى ممارسة سلطة امر واقع تذكر الناس بيوميات الحرب الأهلية ولم يسأل التائهون ماذا لو تظاهر الراغبون في فتح الطرق وتصادموا مع من يقيمون الحواجز؟.

ثانيا تبدت خيوط خفية بعدما أصدر وزير التربية قرارا يحكم إغلاق الجامعات والمدارس رغم عودة الدراسة في الجامعات والمدارس الخاصة في العديد من المناطق التي انحسرت حشود ساحاتها وشح فيها المتظاهرون وتقلصوا بينما اعلنت المصارف استمرار الإغلاق وظلت تعمل خلف الأبواب المغلقة لمواصلة تسيير أعمالها بواسطة اجهزة الصرف الآلية برعاية مصرف لبنان الذي اطلق حاكمه تصريحا مثيرا عن انهيار وشيك رغم كونه إن حصل سيكون نقطة النهاية في معجزته المزعومة منذ العام 1992 عندما اختير بتزكية اميركية لإدارة النظام المالي اللبناني ومفوضا بحراسة الوصاية والرقابة الأميركية على كل شاردة وواردة كما بين امتحان العقوبات وخلف هذه اللوحة يجري التفاوض السياسي مع تعهدات بضمان وقف التظاهرات وقطع الطرق والاعتصامات بمجرد تشكيل حكومة جديدة.

ثالثا تحركت الضغوط الأميركية  السافرة لكبح أي تحرك للجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي لفتح الطرقات وحولت خيوط تأثيرها إلى اداة حازمة في شل السلطة السياسية ومنعها من المبادرة لتصبح رهينة المساومة المطلوبة على توازناتها من خلال اشتراط اطراف تدور في الفلك الأميركي لإجراء تعديل او تغيير حكومي بتطعيم الحكومة الحالية او من خلال تشكيل حكومة تكنوقراط والغاية خلف كل ذلك هي السعي إلى عزل المقاومة وإضعاف حلفائها وبالتالي تعديل قواعد المساكنة السياسية والشراكة التي رضخ  الأميركيون لقواعدها منذ حكومة الرئيس تمام سلام ومحاولة استعادة معادلات ما جرى قبل سنوات في صيغ شراكة مشابهة قبل انتقال المقاومة إلى تسمية وزراء يمثلونها حزبيا وسياسيا بدلا من الاكتفاء بتسمية أصدقاء من بين المصنفين ضمن التكنوقراط وفي هذا السياق نفسه تتوخى الصيغ المتداولة إضعاف الرئيس ميشال عون وفريقه والتأثير على التوازن الداخلي للتيار الوطني الحر نفسه.

رابعا ليس صحيحا ان الحراك الشعبي بلا اهداف او شعارات سياسية فمن الواضح ان الفترة التي انقضت على قيام الهبة كشفت غاية سياسية محددة هي تغيير معادلة القرار في منظومة السلطة السياسية والإخلال بالتوازن الذي قام بعد انتخاب الرئيس ميشال عون والذي اعتبره المخططون الأميركيون والصهاينة من اليوم الأول بمثابة غطاء سياسي ودستوري غير مسبوق للمقاومة ودورها في معادلة ردع إقليمية واسعة كفت يد الكيان الصهيوني وأحبطت قدرته على المبادرة وساهمت في كسر غزوة التكفير التي قادها الأميركيون وعملاؤهم في المنطقة و شاركت بصورة رئيسية في الدفاع عن سورية وكسر العدوان الاستعماري الأميركي الذي استهدفها ولعل من اخطر نتائج محاولة الانقلاب الأميركية الجارية ان بعض المحسوبين على خندق المقاومة وحلفها الوطني انساقوا في الموجة خلف طموحات شعبية وسياسية وأوهام بالقدرة على جذب الدفة وهم عجزوا عن طرح مشاريعهم المستقلة التي تمثل بطاقة التمايز عن كل ما يثير الشبهات.

خامسا إن الانقلاب الوحيد المشروع تاريخيا على صيغ المساكنة التي حتمتها التركيبة الطائفية للنظام اللبناني واستقواء بعض القوى السياسية بالعصبيات الطائفية والمذهبية لمجابهة المقاومة وخيارها منذ سنوات بعيدة هو قيادة تحول وطني يقلب الصورة لصالح التحرر من الهيمنة  والتوجه شرقا وهما هدفان غائبان كليا عن توجه جميع الحراكيين بمن فيهم بعض الأفراد والمجموعات والأحزاب الوطنية الصادقة .

إن ما يجري هو ثورة مضادة تخدم تجديد الهيمنة الاستعمارية وتثبيت الوصاية الأميركية اقتصاديا وسياسيا وهي تتوخى الاتيان بسلطة سياسية تدير دفتها شخصيات تتحصن بصفة خبراء المال والاقتصاد من اميركيي الولاء وهو انقلاب يجري السعي لتحقيقه على ظهور الناس الساخطين المتألمين ولا عذر لمن يزعم انتماء وطنيا في الصمت والتجاهل بذريعة التغيير الذي سيكون إن حصل في هذا التوقيت اميركي الوجهة والمحتوى ويخلف وراءه آلاف المحبطين من الشباب الحالم ومعهم خيبة كبرى لبعض المتسلقين الطارئين.