غالب قنديل

تحت ضغط انفجار الغضب الشعبي خيم القلق على السلطة السياسية التي فاجأها الحدث وسط توجس من مؤامرة خارجية تؤكدها تدخلات سافرة سياسية وإعلامية ومحاولات حرف الجمهور لتوظيف هبته في معارك تصفية حسابات داخلية وصب الغضب على مواقع قيادية ورموز وتيارات سياسية بصورة مقصودة ومشبوهة في آن معا لكونها تتصل برغبات اميركية معلنة في معاقبة القيادات السياسية الحليفة للمقاومة على خياراتها ومواقفها وبدا واضحا في المشهد الإعلامي صدى الهمس الأميركي الذي يلبي الرغبة الصهيونية بمعاقبة من أتاحوا غطاءا سياسيا وطنيا للمقاومة في ردها الرادع بعد غارة الضاحية مؤخرا.

 

ركبت موجة انفجار الغضب الشعبي بعض القنوات التلفزيونية اللبنانية التي فتحت هواءها قبل سنوات لرموز التكفير ومشايخ الذباحين الذين استوطنوا اوكارا احتلوها في الجرود وأنشأوا مربعات داخل بعض المدن وخصوصا طرابلس وصيدا في سياق نشر طواحين الدم على امتداد المشرق العربي منذ غزوة داعش والقاعدة التي شهدناها في سورية والعراق وامتدت إلى لبنان وهي القنوات المعروفة بارتباطاتها الأميركية والخليجية منذ ما سمي بالثورة السورية التي اشتغلت في صناعة فصولها غرف عمليات إعلامية لبنانية معروفة ومكشوفة سخرت تلك القنوات هواءها في خدمتها تحريضا وترويجا وتضليلا كاذبا.

إزاء ما جرى إعلاميا وسياسيا تحضر ملاحظات لابد من التوقف عندها وهي حاصل غياب البرنامج الواضح والتنظيم عن التحرك الشعبي الذي كانت عفويته من نقاط قوته وباتت عبئا فعليا في ظل محاولات محمومة لتعليبه وتجييره وامام تورط الشباب الساخط في رفع شعارات عالية السقف ولا تبدو واقعية.

اولا اعتماد بعض المؤسسات الإعلامية طريقة التلقين والإيحاء لخلق انطباعات عن وجهة الغضب الشعبي ومحاولة صبه في تأليب الرأي العام على رموز حلف المقاومة لمحاصرتها سواء بمنطق تصفية حساب محلي ام لخدمة اجندة خارجية تستهدف زحزحة التوازنات التي تشكلت منها معادلة قرار رسمي داعم للمقاومة منذ انتخاب الرئيس ميشال عون فإذا بالحملات تتركز علييه وعلى الريس نبيه بري  لتحميلهما مسؤولية ما يجري وقد تم طمس ادوار وأسماء معروفة بميراثها في التسبب بمفاقمة الديون ورعاية الهدر والتقاسم وتبديد اموال القروض ومفاقمة الضرائب وكان المثل الصارخ هو ان الساحات كلها لم تطالب بفتح ملف المليارات المفقودة في عهد حكومات الرئيس السابق فؤاد السنيورة رغم كثافة الضجيج عن الأموال المهدورة والمنهوبة.

ثانيا قيام بعض المنابر الإعلامية بمحاولة برمجة الانطباعات بطريقة مستنسخة عن تجارب ما سمي بالربيع العربي من خلال تلقين الأفراد المستصرحين وتحميلهم مواقف موحى بها ضمن مخطط التحريض السياسي الذي تنفذه غرف الخبار والبرمجة السياسية.

وقد توخى هذا التدخل الإعلامي سد طرق الحوار بين الغاضبين والمسؤولين واستدراج تصعيد تصادمي في الشارع بترويج  شعارات عالية السقف مستعارة من ادبيات الربيع المشؤوم مثل شعار إسقاط النظام وهو ما يطرح خطر نقل الإحباط الذي حل بالساحات العربية التي يكرر فرسانها الشكوى من سرقة "ثورتهم".

ثالثا جاءت الورقة الاقتصادية الصادرة عن مجلس الوزراء ثمرة فعلية لهبة الشارع الغاضب ولنهج المقاومة في إدارة الصراع السياسي فأسقطت الورقة كليا أي ضرائب او رسوم جديدة وتبين عمليا وجود بدائل فعلية وممكنة من رصيد أرباح المصارف واحتياط المصرف المركزي ومردود هندساته المالية بينما رفضت  سابقا أي مساهمة جدية في تمويل عجزالموازنة من هذين المصدرين. وتضمنت الورقة بعض الخطوات الجزئية التي كان اهمها تأمين اعتماد لقروض الإسكان التي أقلق إلغاؤها الشباب بصورة خاصة إضافة إلى بعض الخطوات الخجولة لدعم الإنتاج الصناعي والزراعي.

رابعا بين صرخات الغاضبين ارتفع الصوت ضد طائفية النظام واندفع بعض المتحدثين إلى طرح أفكار عديدة عن اعتماد النسبية والدائرة الواحدة خارج القيد الطائفي في الانتخابات المقبلة وتباهى الناس بما جسدته هبتهم من تحول في الحياة الوطنية  ولايمكن التعويل على صمود هذه الظاهرة دون رسوخها بقوة في الوعي الشعبي وفي حركة الشارع وطالما لم يمس التغيير هياكل النظام الريعي التابع القائم على الطائفية السياسية وقد سبق ان شهدنا لوحات مشابهة في تاريخ التحركات الشعبية اللبنانية ما لبثت ان تداعت وانهارت بإحياء الانقسام الطائفي في البلد واستيقاظ العصبيات مع النزاع على الريع داخل السلطة السياسية ثم انتقاله من صالونات السياسة إلى التخندق الشعبي ولعل ما يعزز فسحة الأمل هوتقلص الريوع وانحسارها.

خامسا جميع النقاشات داخل الحكومة وفي الشارع ما تزال بعيدة عن جوهر التحدي اللبناني السياسي والاقتصادي المصيري وهو كيفية التحرر من الهيمنة والتبعية للغرب وهذا لايعني فحسب عناوين فرعية لدعم الصناعة والزراعية بل هو يرتبط عضويا بالتوجه شرقا بدءا من الشراكة مع سورية والعراق وإيران والصين وروسيا وإمتلاك رؤية اقتصادية تنطلق من هذا التوجه ومن مبدأ الشراكات الجديدة الداعمة للهيكلية الجديدة غير الريعية.