غالب قنديل

كان يوم الحرائق الطويل مفجعا في حصيلته البيئية والحرجية والإنسانية وقد خلف وراءه رماد آلاف الأشجار الهالكة ومئات العائلات المنكوبة التي حاصرت بعضها حرائق بلغت ما يزيد على المئة حريق في جميع مناطق لبنان ولم تختص بطائفة او منطقة كما تخيل من وقعوا بسذاجة في فخ الاستهلاك الإعلامي والإثارة البغيضة كما حل بوزير سابق عرفناه رصينا فلم يظهر بكل أسف حكمة الاعتذار عن شطحة انفعال في غير محلها أساء فيها إلى جميع اللبنانيين  ومارس تحريضا فتنويا وهو ملزم بالاعتذار على الأقل من أبناء منطقته الانتخابية المتنوعة في نسيجها.

 

دار حديث المؤامرة وتنقلت فرضياتها على الألسنة والمسامع وبلغت وسائل الإعلام جميعا  كالعادة ويفترض ان تستكشف تلك الاحتمالات تحقيقات النيابات العامة المعنية وبين افتراض عمل تخريبي صهيوني مدبر او عمل محلي استئجر لتنفيذه عمال على الأرض نال بعضهم أذى الظنون بتصرفات عنصرية مقيتة وقد أنس بعض المسؤولين لطوفان تلك الفرضيات طالما أنه يبعد عنهم المسؤولية ولم يجدوا ما يتباهون به سوى الهمة العالية لعناصر أفواج الدفاع المدني التي هي البرهان على عجز السلطة الفظيع  وإهمالها الأفظع والحق يقال إن نخوة الدفاع المدني واحتشاد المتطوعين من كل لبنان إلى المناطق المنكوبة بالحرائق كان امرا يثير الفخر ويستحق الاحترام وبالذات لأن هؤلاء المتطوعين محرومون مظلومون ومهملون ومن ينسى استصراخهم للحكومات والوزراء والرؤساء طيلة عشرين عاما دون جدوى في زمن بذخ وتبذير لا حدود له ولا رادع .

كانت توضيحات خبراء البيئة والطقس عن مواسم الحرائق الدورية كل عام في مثل هذا الوقت من السنة أشد إقناعا من ثرثرات المؤامرة وهي تجعل تقصير السلطة السياسية أفدح وادهى لاسيما عندما أعلنت حصيلة التقصي الإعلامي لمصير الطائرات الثلاث المهملة دون صيانة وقد دفع ثمنها اللبنانيون أربعة عشرمليون دولار في اجواء مشابهة وبعد اتضاح الحاجة إليها بدلا من تسول المساعدة من الخارج القريب والبعيد والله أعلم بما بين ثنايا هذا الملف لوفتح التحقيق حوله استجابة لطلب رئيس الجمهورية.

لاوجود لدولة في بلادنا ولا لمؤسسات جديرة بخدمة شعب نفض نفايات الحشو الطائفي وسمومه وهب بسمو اخلاقي ووطني إلى نجدة اهله المنكوبين وتلاحقت إعلانات تأمين المساكن والطعام لمن أرغموا على الخروج من بيوتهم بتبرعات عفوية لم ينظمها احد بل كانت مبادرات شعبية تلقائية في مختلف المناطق وهي تدعو إلى الفخر بطينة اهلنا الطيبة التي طالما كانت تلوثها عمليات التحريض السياسي لاستثمار البسطاء وقودا في حرائق السياسة والحروب التي تخدم مصالح معروفة وارتباطات مكشوفة.

لماذا ليس وضع هيكلية دائمة وثابتة للدفاع المدني كمؤسسة عامة للإغاثة من الكوارث اولوية حاسمة تستحق توفير جميع الإمكانات والمستلزمات دون قيد اوشرط وبما يكفي من التقديمات والضمانات لمن هم فدائيو رسالة حماية لشعبهم  لايشبههم سوى الجيش اللبناني والمؤسسات الأمنية ولم لا تنفذ خطة حماية شاملة للثروة الحرجية بتوزيع خزانات مياه قريبة إلى الغابات والأحراش التي ينبغي ان تشق داخلها طرق تسمح بتحرك فرق الإطفاء والإغاثة عند الضرورة وتزرع فيها إرشادات وتنبيهات لسلوك الزوار بما يحد من خطر اندلاع الحرائق ولمن ينتمون إلى عقلية الدفتردار المالية فهذه الخطوات تسمح بتحويل الغابات والأحراش إلى نقاط جذب سياحية مجدية ماليا ويمكن ان تقوم بقربها استثمارات سياحية ومنتجعات مغرية للزوار ولا نستغرب ان تكون موضوعة أصلا على خرائط الخصخصة الفالتة لحساب الشركات الأجنبية والمحلية ولأطماع نافذين ومحاسيب لا يشبعون.