Get Adobe Flash player

غالب قنديل

ليس ما شهده لبنان مؤخرا لغزا لاتفسير له ولكن فهمه يتطلب بعض التأني وملاحظة العوامل المحركة والأسباب الفعلية ورصد المقدمات الاقتصادية والسياسية لما جرى في مناخ ارتباك سياسي وسخط شعبي واضح عبر نفسه بخروج مئات الغاضبين في مختلف المناطق اللبنانية وكالعادة ظهرت شهوات التوظيف السياسي والاصطياد في الماء العكر لتصفية الحسابات في معمعة ما جرى.

 

اولا لم تكن مصادفة ظاهرة تزامن ارتفاع القلق الشعبي والسياسي من تفاقم الأزمة الاقتصادية والمالية مع زيارة مفوض العقوبات الأميركية مارشال بلينغسلي الذي شرح أهداف زيارته الثانية العاجلة بالإصرار على التيقن من قتل بنك الجمال الذي يحوي ودائع لقرابة تسعين ألف عائلة لبنانية في الوطن والمغتربات وقد ضاعف من وطأة القلق خبر تبرئة بنك آخر تمت تصفيته قبل ثمانية أعوام هو اللبناني الكندي وقد بات دون جدوى القرار القضائي الأميركي بإسقاط التهم التي استندت كالعادة إلى ظنون مخابراتية اميركية إسرائيلية تم تحويلها إلى قرار قتل سندا إلى نعت المقاومة بالإرهاب وسط انصياع لبناني تام بالرضوخ للاتهام وللنتائج المبنية عليه.

ثانيا ضج البلد في الفترة نفسها بشائعات استهداف لاحقة لمصارف كبيرة وصغيرة ترجمة لوعيد المفوض الاستعماري من بيروت بخنق المقاومة وهو في الواقع هدد بخنق لبنان فالمقاومة كحركة دفاع شعبية عن السيادة الوطنية برهنت لكل ذي بصيرة من أعدائها وخصومها في الداخل والخارج كم هي عصية على الكسر والخنق لأنها تعبير عن إرادة تحرر وطنية راسخة الجذور ويبدو ان الإمبراطورية الأميركية تتناسى عبرة استقاها القادة الصهاينة من حرب تموز عندما اكدوا انكسارهم وعجزهم واعترفوا بان ما من قوة في العالم تستطيع هزيمة المقاومة وفي معمعة العقوبات والتأزم المالي سعى بعض المتواطئين والمخبرين المحليين لتصعيد التحريض ضد المقاومة وحلفائها وهنا يصح الشك بوجود مؤامرة ومتآمرين مع الغرب والأميركي البشع وبهذا المعنى بالذات في حدود التوظيف المقصود والمشبوه لما جرى.

ثالثا خلال مخاض موازنة 2019 ومع مناقشة مشروع الموازنة الجديدة وعلى مدى أشهر متواصلة طغى خطاب رسمي يوحي بأن تخفيضات كبيرة ستجري في الإنفاق العام مع توجه لتجميد التوظيف أقر في الموازنة العامة وعلى ضفاف جميع اللقاءات الرسمية برزت دعوات التقشف والاستعداد لتحمل تدابير قاسية ومؤلمة يجري التحضير لها وتهيئة المناخ لتقبلها تحت شعار منع الانهيار القادم والذي تحول إلى مسلمة بديهية في المناخ الإعلامي والسياسي مع ما يوحي بأن التدابير المزمعة ستطال هوامش العيش الباقية لشرائح اجتماعية تحركت في الشارع سابقا وهي استشعرت انها مهددة مجددا وتشمل قطاعات لايستهان بها من الموظفين والمتقاعدين وقد احس الناس بمفارقة دعوتهم لشد الأحزمة على ليراتهم المتناقصة بينما يسمعون يوميا عن مليارات النافذين المودعة في الخارج في حين انطلقت عملية ترويج استثنائية لمشاريع خصخصة شاملة تشي في عرف الناس ومن دروس التجربة بمواسم عمولات وتقاسم جديدة تحت شعار معالجة التأزم.

رابعا أظهرت ازمة المحروقات إحدى التداعيات المكتومة لشح العملة الصعبة في القطاع المصرفي فظهر ازدواج التسعير في السوق ولكن المشاهد التي تبدت في الشوارع لطوابير الانتظار الطويلة امام المحطات ولدت نقمة لدى الناس الهلعين الذين سبق ان حولوا ودائعهم الصغيرة والكبيرة إلى العملات الاجنبية نتيجة تشنج إعلامي سياسي خلقه اهل السلطة بأنفسهم وهذا ما فاقم التوتر وسط غياب كامل لأي جهة قادرة على شرح المشكلة وتحديد وجهة التعامل معها وطال الارتباك سائر المعنيين بمن فيهم حاكم المصرف المركزي وبين التفاعل العفوي لهذه العوامل والاستثمار السياسي المبرمج لغايات ومصالح متعددة كان مشهد التحركات التي شارك فيها بكل وضوح خليط من مجموعات منظمة تسعى لالتقاط فرصة تعزيز حضورها ودورها وجموع متناثرة من الساخطين الذين اوجعتهم المعاناة الاجتماعية القاسية فعزف كل منهم على اوتار آلامه امام الكاميرات .

خامسا يبقى الجوهري أننا نشهد مظاهر استنفاذ هوامش اللعبة المتقنة التي ميزت سيرة النموذج الاقتصادي الريعي التابع القائم منذ التسعينيات على الاستدانة المفرطة لتمويل نظام التقاسم الطائفي بينما غابت كليا أي رؤية عملية لتطوير الصناعة والزراعة والسياحة وباتت مع مرور الزمن تحويلات اللبنانيين في الخارج هي العامل الرئيسي المقابل لمليارات الاستيراد في ميزان المدفوعات ولما أصابها الشح بفعل عنصري العقوبات الأميركية والركود الزاحف في كل مكان وقع النموذج في ارتباك وتأزم خطيرين وظهرت اعراض شح العملة الصعبة في الأسواق ومنذ أشهر غير قليلة يحاول مصرف لبنان اتخاذ تدابير احتوائية عملا بمبدأ تثبيت سعر الصرف وقد ظهرت تباعا تدابير مصرفية ومالية زادت من حدة القلق العام وطالما تتعامل المعالجات مع النتائج وليس مع الجذور فستبقى حالة الدوران في الحلقة المفرغة وتظهر الوقائع ان المزيد من الشيء نفسه أي الاقتراض لسداد الفوائد المترتبة على الدين العام المتضخم ليس سوى شراء المزيد من الوقت الذي لامجال للفوز بالسباق معه دون كسر تلك الحلقة بخيارات ما تزال بعيدة عن اولويات التنفيذ الحكومية رغم الإقرار النظري بها واهمها:

1-     تنمية الصادرات بتدابير جدية تدعم الانتاج الصناعي والزراعي وتنقذ السياحة من اختناقها بنتيجة ضعف لبنان امام جميع منافسيه لجهة الكلفة والتسهيلات.

2-     توسيع الشراكة والالتفات شرقا انطلاقا من سورية فالعراق وإيران حيث الفرص الثمينة التي يضيعها الانصياع للمشيئة الأميركية بدافع الرهبة من اعتراضها.

3-    وضع سياسة وطنية لمقاومة العقوبات الأميركية وحماية القطاع المصرفي والاقتصاد الوطني.