Get Adobe Flash player

غالب قنديل

رب متسائل عن سبب حماسنا للخيار الصيني ودعوتنا إليه والحقيقة إننا نقدم البرهان على ضرورة التوجه شرقا في بلد يتصرف بعض حكامه لتكريس كونه مستعمرة غربية بالكامل بينما يكثرون الكلام عن الحياد اللبناني بين المحورين ويقطعون الطرق على كل مبادرة من داخل السلطة ومؤسساتها نحو سورية وإيران والعراق وروسيا بل يحاصرون النوايا في هذا الاتجاه.

 

أولا نجحت الصين في بناء قوتها الصناعية وتقديم نموذجها الاقتصادي للتنمية وباتت حقيقة عالمية معترفا بها وهي تنفذ استراتيجية متكاملة لتوسيع دورها العالمي بهدوء وبقوة الاقتصاد والتكنولوجيا وبالابتعاد قدر الإمكان عن التشنجات والتوترات العسكرية في العالم ورغم الحزم الصيني الصارم في رفض الهيمنة الأميركية على العالم ودعم الحركات والقوى التحررية في العالم تحاول الصين الاحتفاظ بعلاقات وشراكات مع سائر الأطراف المتصارعة بما في ذلك الامبراطورية الأميركية التي تستهدفها بالعقوبات القاسية وتسعى إلى محاصرتها وحرمانها من موارد الطاقة ويقر الخبراء الغربيون  بأن محاصرة الصين هو احد حوافز التصعيد الأخير ضد إيران التي باتت في السنوات الأخيرة اهم مصادر الصين للحصول على حاجاتها من النفط والغاز.

ثانيا شكلت مبادرة الحزام والطريق الهادفة لإحياء طريق الحرير الذي ربط الشرق العربي وخصوصا سورية ولبنان بالصين قبل قرون بعيدة مشروعا لشراكة حضارية نهضوية في مجالات البناء الاقتصادي لروابط متكافئة تقوم على احترام سيادة وهويات الدول والشعوب ولتحفيز نموها المستقل عن أي هيمنة اجنبية بتطوير قدراتها الذاتية وعبر مساعدتها على تنفيذ مشاريعها الوطنية للبناء الاقتصادي المتطور والمستقل وهذا المشروع الضخم توظف فيه الصين قدراتها العملاقة وخبراتها النوعية في مختلف مجالات التكنولوجيا والصناعات الحديثة لمؤازرة جهود التنمية الوطنية في بلدان الحزام والطريق من خلال هبات وشراكات مجدية اقتصاديا ومتكافئة لا تنطوي على الشروط التدخلية المهينة للوكالات الغربية  وصناديق القروض والتمويل الأوروبية والأميركية او تلك المساة دولية.

ثالثا قدمت الصين نماذج لشراكات الحزام والطريق تشير إلى كمية من الفرص الوافرة للبنان سواء عن طريق شبكات النقل الحديثة والسريعة ذات الطابع القاري والإقليمي اومشاريع الطاقة الكهربائية والسدود المائية وتنقية الأنهار والشبكات الضخمة للصرف الصحي او في مجال الاتصالات والشبكات الرقمية وأهم ميزات تلك الشراكات هو التمويل طويل الأجل ومن غير شروط سياسية مسبقة وضمان استرداد القروض من عائدات التشغيل والإنتاج او من صيغ متكافئة للشراكة.

رابعا تمنع الولايات المتحدة على الحكومة اللبنانية تطوير أي شراكة جدية  مع روسيا او مع إيران وحتى مع سورية الشقيقة والجارة الأقرب وهي تمنع انفتاح لبنان على مبادرة الطريق والحزام الصينية لتحشر البلد في قبضة الهيمنة والوصاية من خلال نادي باريس للديون وشروطه المذلة وفوائده الباهظة وعبر تحكم وابتزاز وكالات التصنيف العالمية وكل من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي جهازي الاستعمار المالي الأميركي بعد الحرب العالمية الثانية.

خامسا تربط الولايات المتحدة مساعداتها الهزيلة للبنان بسلة عقوبات على قطاع لبنان المصرفي المهيأ لحصاد ثمار كثيرة من خيار التوجه شرقا الممنوع عليه فهذا القطاع المخنوق بالعقوبات الأميركية كان مؤهلا لولا الإذعان السياسي للمشيئة الأميركية ليكون رئة مالية وتجارية لكل من سورية وإيران والعراق وليتخذ مكانة مميزة في أسواق بلدان الحزام والطريق في آسيا وأفريقيا.

لا يفيد في العصر الجديد وامام التحولات الكبرى اجترار امجاد الماضي التليد فالعالم يتغير ولا جدوى من  التصرف بعقل رجعي متخلف عاجز عن فهم الحقائق الجديدة وما يتراكم فيها من فرص ضائعة نتيجة التحجر والجهل والتبعية للغرب الاستعماري.

 سادسا إذا كان هياج بعض اللبنانيين العدائي ضد حزب الله والمقاومة بدافع حقد او عمالة قد سهل مسار العقوبات المصرفية الأميركية فتلك العقوبات تحرم المصارف اللبنانية من مليارات الدولارات وتكبل طاقتها على التوظيف والاستقطاب كما تسد عليها أبوابا وطرقا إلى مجالات استثمار وتوظيف جديدة في زمن اختناق وركود والمفارقة ان من ساعدوا الأميركي على فرض عقوباته هم اول الشاكين من الأزمة التي يريدون تدفيع الناس كلفتها الباهظة من مستوى عيشهم المتراجع.

هل من يسأل عن سر خنق لبنان بالعقوبات ودفعه في متاهة التدابير الانكماشية وابتزازه بحلقة الديون وفوائدها ومنعه سياسيا بالمقابل من التفتيش عن بدائل تمثل مبادرة الحزام والطريق الصينية احد نماذجها الرئيسية.