Get Adobe Flash player

غالب قنديل

نشأت المساكنة السياسية في لبنان بين محوري الهيمنة والمقاومة نتيجة اعتراف أميركي بفشل جميع محاولات الانقلاب المتكررة التي استهدفت استعمال غلبة اتباعها في السلطة السياسية لشد الخناق على المقاومة والنيل منها وتقطيع جسور تواصلها السياسي والشعبي التي اكسبتها قوة وزخما في التوازن اللبناني الداخلي وكانت ذروة التحول هي الفشل الأميركي ومحوره السعودي القطري في تحويل لبنان إلى منصة في الحرب على سورية.

 

تستمر الصراعات والخلافات السياسية داخل مؤسسات السلطة واقعيا حول المحورين وبغض النظر عن جميع العوامل والمظاهر التي تعبر عن رغبة أطراف عديدة في رسم صورة مغايرة لترويج الانطباع القائل باختفاء معسكري الثامن والرابع عشر من آذار فحقيقة الأمر ان الصراع ما يزال مستمرا حول عنواني المقاومة والعلاقة بسورية ومن خلفها العلاقة بمحور الشرق الذي تبلور حول سورية ودفاعا عنها أي إيران والصين وروسيا وحتى العراق المحكوم كلبنان من خلال صيغة للمساكنة بين المحورين.

 المفارقة ان غزوة التكفير التي استهدفت لبنان كانت نتاج خطة شاملة وضعها الحلف الأميركي الأطلسي الصهيوني السعودي القطري وادواته في لبنان بينما كانت الشراكة مع سورية وإيران وروسيا ضمانة الحماية الحقيقية التي وفرتها قوة الجيش والمقاومة.

يتبين انعدام التوازن في المساكنة السياسية بسلبية الخضوع الكلي لنهج الالتزام بالضوابط الأميركية التي تحول لبنان إلى موقع نفوذ اقتصادي وسياسي وامني خاضع تماما على النقيض من الدور النوعي للمقاومة في المنطقة من خلال معادلات الردع وما يناله المحور التابع من استجابة لشروطه وارتهاناته لايقارن بمزايا قبول التعايش السياسي مع المقاومة بعد الفشل في التخلص منها  فالفريق نفسه يبيح استهدافها بالعقوبات الأميركية  ويمنع اتخاذ أي موقف لبناني تمليه اعتبارات السيادة الوطنية في وجه املاءات استعمارية مفضوحة.

الأكيد ان من الحكمة عدم استسهال المغامرة بأي صدام سياسي قد يهز السلم الأهلي والوحدة الوطنية لكن السؤال الذي يطرح نفسه أليس هناك خيار سياسي ممكن لإجراء تصحيح يضع حدا للمساكنة غير المتوازنة وينجز توازنا فعليا في علاقات لبنان وخياراته الاقتصادية اتجاه المنطقة والعالم؟

لا تستقيم فكرة مساكنة المحورين مع جعل لبنان خاضعا بالكامل في اقتصاده وتسليح جيشه وفي قراره السياسي وعلاقاته الإقليمية والدولية للضوابط الأميركية التي تمنع عليه واقعيا أي بحث في شراكات وتحالفات طبيعية مع جواره ومحيطه بالتوازي مع العلاقات القائمة بينه وبين الغرب والخليج وهل يعني الحياد عن المحاور الإقليمية اتباع سياسة احادية ترتبط بالمحور الأميركي وتدير الظهر لروسيا والصين وإيران وتكرس شبه قطيعة كاملة مع سورية ؟ المساكنة القائمة فعليا غير متوازنة ولا فضل لأي جهة لبنانية او خارجية في الاعتراف بوزن المقاومة وقبول دورها في الواقع السياسي بعد فشل أعدائها وخصومها في الداخل والخارج  بالنيل منها في ذروة الحشد والاستنفار الأميركي الصهيوني الأوروبي والرجعي العربي للقضاء عليها.

اعتلال المساكنة يقطع الطريق على توفير إمكانات كثيرة وتصحيحها يفتح آفاقا واسعة للخروج من النفق الخانق والمهدد بالتفاقم وهو هدف متواضع يمكن العمل عليه بدلا من الرضوخ لابتزاز خطير ومهين بحيث تقتضي أي حركة على خطوط العلاقات والشراكات الإقليمية والدولية خارج المعسكر الأميركي إجراء ألف حساب.

من الخطأ الانتظار السلبي لتبلور معادلات جديدة قادمة ستملي تحولات كبرى في البيئة الاستراتيجية للبنان من خلال انتصار سورية الحاسم أو تمكن إيران من ردع الغطرسة الأميركية الاستعمارية وهذه تطورات قادمة لكنها ستسير ببطء وتستغرق وقتا وتقتضي جهودا وتضحيات كبيرة والمجدي للبلد سياسيا واقتصاديا بدلا من دفع كلفة الانتظار باستمرار الاستنزاف هو السعي إلى تصحيح المسار بمساكنة متوازنة بدلا من الخضوع لوصاية أميركية تجعل بلد المقاومة شبه مستعمرة رغم شراكة المقاومة ومحورها في السلطة السياسية وفي تأسيس معادلات جديدة ستغير وجه العالم.

لايكفي ان يطرح السؤال عن إدارة ظهر الحكومة ورئيسها لمبادرة الطريق والحزام الصينية ولا عن سبب تجميد العلاقة بسورية والعراق واستمرار السلبية اتجاه إيران والمراوحة في دوائر المجاملات الدبلوماسية مع روسيا ولا هو من الطبيعي الصمت على نهج  استرضاء السيد الأميركي الذي يتحرك بوقاحة سياسيا وعسكريا وكأن لبنان قاعدة مفتوحة لقواته الخاصة ولمخابراته وعملائه بينما سفارته تواصل بث السموم السياسية والإعلامية ضمن خطة فيلتمان لشيطنة المقاومة وللعبث بالسلم الأهلي.