Get Adobe Flash player

shutterstock 1065560444

غالب قنديل

كلما طرحت فكرة تتناول محاولة تلمس سبل منهجية جديدة في التعامل مع الكارثة الاقتصادية المقبلة التي يتوعدنا بها المسؤولون وكما توحي بها اعترافات أهل النظام تقام الدنيا ولا تقعد فقد سبق ان اطلقت زوبعة عنيفة ضد ورود كلمة هيكلة الدين في تصريح لوزير المال ومؤخرا انهمر سيل من البيانات والتصريحات غمزا ولمزا ضد وزير الاقتصاد الذي أبدى رأيا في السياسة النقدية وعلاقتها بالأزمة الخطيرة كما توصف في الخطب الرسمية.

علميا يستحق النقاش كل اقتراح أو اجتهاد جديد بدلا من حظره بالتقريع والتهويل بل وبالضغط من خلال التلاعب باعصاب اللبنانيين عبر التلويح بأن أي انتقاد او ملاحظة او اعتراض يمكن ان يهز الثقة في الأسواق وقد يطيح بسيدر الذي تحول إلى قدس الأقداس قبل ان تهل دولاراته في أي زاوية من لبنان ومصير سيدر واهتزاز ثقة المانحين هي آخر ادوات الابتزاز لمنع النقاش الصريح.

الكارثة التي يقال إنها تزحف على لبنان لايمكن ان تواجه بمنع النقاش او بتحريم النقد لفرض التعتيم على أي فكرة اقتصادية اومالية خارج الوصفة الكارثية التي أغرقت البلد بما هو فيه ومقبل عليه من عملية لحس المبرد والاستنزاف المنظم عبر المزيد من الاستدانة من دون مراجعة جدية للأولويات ومن غير تحرير هياكل السلطة ومؤسساتها من تشابك المنافع بحكم طبيعة النظام السياسي الطائفي التابع المسؤول عن جبل الفساد والمظالم.

إن كان اقتصاد لبنان على وشك الانهيار كما تقول التحذيرات الداخلية والخارجية فثمة جهات مسؤولة عما جرى اقتصاديا وماليا ونقديا طيلة السنوات المنقضية منذ تسعينيات القرن الماضي وبدلا من مواصلة الدوران في الحلقة المفرغة نفسها فليفتح باب النقاش حول المخارج والحلول على مصراعيه وليتواضع قليلا صانعو الخيارات الفاشلة التي أوصلت البلد إلى المأزق وليتخلوا عن ادعاء العصمة وامتلاك الحقيقة المطلقة وليصمتوا على نعمة عدم الدعوة لمحاسبتهم على ما اقترفوه وقبول استمرارهم في صدارة الهيكل السلطوي وليتركوا المجال مفتوحا لنقاش علمي هاديء في الخيارات الممكنة لتخطي المنحدر الخطيرالذي صنعوه قبل ان يصرخوا "أنقذونا".

لا أحد من القوى السياسية يطرح محاسبة من صنعوا الخيارات الاقتصادية والمالية والنقدية الفاشلة بل إن صيحات التضامن والتكاتف تضج في أسماعنا ويختلط فيها فريقان هما صانعو الخيارات الفاشلة ومعارضوهم وبالتالي يسهم فيها جميع الأطراف رغم اختلافاتهم وتناقضاتهم الحدية في اكثر من مجال فما هو المخيف من فتح النقاش وتداول الأفكار وتحدي العقول في اقتراح وصفات محتملة للخروج من النفق الذي تستعرضون آلامه جميعا ثم تطالبون اللبنانيين بالتحضر لعبوره بامعاء خاوية تلتصق بظهورهم من وطأة شد الأحزمة؟!

في جميع الدول التي عرضتها للأزمات الخطرة حلقة الاستدانة المفتوحة وتعليمات صندوق النقد والبنك الدوليين فتحت النقاشات وشملت وصفات من نوع إعادة هيكلة الديون وفوائدها ومراجعة السياسة النقدية وربما تعويم العملة المحلية وكذلك إعادة النظر بالتوجهات الاقتصادية والاهتداء إلى توزيع متوازن بين الطبقات الاجتماعية لكلفة السياسات الجديدة ولم يكن التقشف الحكومي هو التدبير الأحادي المطروح.

هذا الهلع والتخويف الذي يسعى ناشروه إلى منع النقاش والحجر على التفكير النقدي هو إرهاب منظم سياسيا وإعلاميا ولايخدم المصالح الفعلية للناس بل هوتصنيع لتابوات قهرية تدفع إلى التساؤل عن المصالح الفعلية التي تخدمها فتاوى التحريم التي تنتشر كالفطر في عشرات المقالات والتصريحات وهي تشيد بفلان وعلان أو بالتدبير الفلاني والجهة العلانية او تحظر المناقشة بأي ثمن كأنما هبت فينيقيا لحراسة آلهتها بكل شراسة وعدوانية.

يا سادة ما دامت مصائر الناس وعائلاتهم وأبنائهم على المحك دعوهم يفكرون ويناقشون بحرية في جميع الخيارت أو دعوهم يقرأون ويشاهدون اجتهادات لرموز ولخبراء الاتجاه المخالف الذي بنيت الوقائع السياسية والاقتصادية السائدة منذ سجالات سوليدير وثبيت سعر الصرف على قمعه وإسكاته لإخراس الانتقادات التي حامت حول منهج الاقتراض المسعور ورفع الفوائد وغيرها من مركبات السياسات العامة المأزومة التي يحق لمن عارضوها القول أن تحذيراتهم كانت في محلها منذ ثلاثين عاما.

لا يمكن بالإرهاب والتهويل قيادة النقاش الوطني وفرض الانصياع لوصفة يشك الكثيرون بجدواها بينما تقول التجربة بألسنة أصحابها انها افضت إلى فشل كارثي .