Get Adobe Flash player

غالب قنديل

منذ انطلاق هجرات الاستيطان الصهيوني إلى فلسطين العربية قبل اكثر من مئتي عام ومنذ اغتصاب فلسطين بعد نكبة عام 1948 ثمة حقيقة تاريخية تفرض نفسها وهي ان اجيالا من الشعب العربي الفلسطيني تتعاقب على خيار المقاومة والثورة المستمرة ضد الاستعمار الاستيطاني وهي تطور من أشكال التمرد والمقاومة ضد الغاصبين الصهاينة ومع كل خلجة جديدة للمقاومة تظهر عبر الأجيال نخب فتية تعتنق قدرها وتمضي إلى مقارعة الاحتلال الاستعماري الأشد هولا وبطشا على وجه الكرة الأرضية .

في العقود الثلاثة الاخيرة استهلكت الدوائر الاستعمارية الغربية ومعها حكومات العدو الصهيوني والانظمة الرجعية العربية العديد من وصفات التسوية العقيمة وصبت جميعا جهودها لتصفية قضية فلسطين وقد اختبرت قطاعات واجيال فلسطينية اوهامها حول ما سمي بالحل السلمي بجميع نسخه المكرسة لمسخ الحقوق الوطنية الفلسطينية و التنكر المتمادي لتلك الحقوق في حدودها الدنيا وسعى الغرب الاستعماري بكل جبروته ووسائله إلى فرض الإذعان العربي التام لوجود الكيان الغاصب تحت عنوان التطبيع والسلام المزعوم لتسويق منظومة الهيمنة الصهيونية الاستعمارية على المنطقة بأسرها بواسطة الاتفاقات الثنائية التي عقدت تحت شعارات السلام الزائفة.

اكتشفت الأجيال الفلسطينية الشابة حقيقة تلك المشاريع تباعا وتراكمت حالة متزايدة الاتساع من الوعي الوطني التحرري وكلما ظن المخططون الغربيون والصهاينة انهم نجحوا بمعونة الحكومات العربية التابعة في إخماد جذور الثورة والمقاومة بين الفلسطينيين واندلعت موجة أقسى وأصلب وأشد جذرية من سابقاتها.

ما نشهده مؤخرا من تصاعد لكثافة والمسيرات الشعبية في قطاع غزة والضفة الغربية المحتلة التي تميزت بظاهرة المقاومين الشباب الذين تحولوا إلى رموز وطنية تلهم الأجيال الجديدة للانطلاق في تمردها ومقاومتها وتفسح المجال لتشكل مجموعات فدائية تثير حيرة الغزاة الصهاينة بابتكارها لأشكال جديدة للتنظيم غير الهرمي وبتوظيفها الناجح لأدوات الاتصال الإلكترونية الحديثة وعبر استعمالها لأدوات نضالية مبتكرة في مقاومة جيش الاحتلال وباستهداف المستعمرين الصهاينة.

عندما تبتكر الحركة الشعبية أشكالا جديدة من التحرك النضالي كمسيرات العودة التي تتصاعد بسعتها وحجمها لعشرات الأسابيع وتتزايد خلايا المقاومين المبادرين وعملياتها المتلاحقة التي تربك العدو بكل وضوح فذلك له معنى واحد هو ان فلسطين حية في عقول وقلوب أبنائها الذين يعتنقون فكرة المقاومة لأنها قدرهم التاريخي والممكن الوحيد لرد الظلم البغيض الجاثم على صدورهم بجميع تعبيراته القاتلة اقتصاديا وسياسيا وعسكريا.

تنهار في نظر الفلسطيني العادي جبال متراكمة من الكذب عن السلام وعن حل الدولتين وعن فرص الازدهار الاقتصادي التطبيع مع العدو الذي خبره الشعب الفلسطيني في جميع المراحل بوصفه كيانا استعماريا استيطانيا يغتصب الأرض والحقوق ويحرم أبناء الأرض من حقوقهم البديهية ويضرب عرض الحائط بجميع القواعد الدولية الناظمة المزعومة لحقوق الشعوب التي تخضع للاحتلال وهو يتلقى دعما ماليا وعسكريا غير مسبوق من حكومات الغرب الاستعماري الذي يكرس الكيان الصهيوني بوصفه المركز الفعلي لمنظومة الهيمنة في المنطقة.

فلسطين التي أراد لها المخططون الغربيون والصهاينة ان تموت في عيون اهلها باقية حية وتقدم اثبات وجودها بدماء غزيرة يبذلها شبابها المقاوم الذي يتحدى المستحيل ويثبت ان الاحتلال لن يحلم بخضوع الفلسطينيين لسطوته وقهره كما تتخيل دوائر الغرب الاستعماري العاملة على تسويق اوهام السلام والتطبيع منذ منتصف القرن الماضي.

شباب فلسطين يعتمدون على انفسهم وعلى شعبهم ويجترحون انماطا جديدة من القتال بينما تلهب التظاهرات الشعبية وجدانهم الوطني وترفده بحماسة متجددة لقهر العدو الغاصب بكل ما تصله أيديهم من ادوات القتال البدائية احيانا فهذا جيل الفدائيين المبتكرين الذين لا تعيقهم العقبات ولا صعوبة الظروف أو وحشية القمع او تنسيق اجهزة السلطة الفلسطينية مع مخابرات العدو الغاصب.

لا قيمة لأي اعتراف او تطبيع مع الكيان الصهيوني طالما يجدد شعب فلسطين رفضه للخنوع والاستسلام فكيف إن كان هذا الشعب يلقى الدعم والتعاطف مع انتفاضته ومقاومته الباسلة من تكتل إقليمي صاعد هو محور المقاومة الذي يغير التوازنات والمعادلات في المنطقة والعالم بعدما خاض ملاحم كبرى ضد الغزوة الاستعمارية الصهيونية الرجعية التي تميزت في جميع فصولها بمحاولات متجددة لتصفية قضية فلسطين التي هي مركز النضال الرئيسي لشعوب المنطقة العربية والشرق الكبير التواقة إلى التحرر من نير الاستعمار الغربي الصهيوني ومن الحكومات التابعة العاملة في خدمة مشاريع الهيمنة الاستعمارية.

طالما تسخر الإمبراطورية الأميركية وسائر حكومات الغرب الاستعماري جهودها ومقدراتها لفرض هيمنة الكيان الصهيوني بوصفه مركز منظومة السيطرة على الشرق وتريد ان تحقق له سطوة كلية على الثروات والأسواق وهي تحرس غطرسته العسكرية العدوانية ستبقى فلسطين قضية مركزية لجميع دعاة التحرر العربي بل ولسائر الأحرارفي العالم.