Get Adobe Flash player

images 197653

غالب قنديل

منذ قيام الجمهورية اللبنانبة بعد الانتداب الفرنسي حظيت المملكة السعودية بمكانة خاصة ومحورية في علاقات "النخبة" اللبنانية الحاكمة التابعة للغرب الاستعماري وفي معظم الأحيان كان تراصف المسؤولين اللبنانيين إلى جانب آل سعود انعكاسا لمشيئة الغرب الذي انضبط معظم الرؤساء والوزراء والنواب في تنفيذ توجيهاته وأوامره بغض النظر عن الكلفة الكبيرة التي يتحملها لبنان نتيجة لذلك .

أولا هذه الظاهرة اتخذت طابعا أشد قسوة ومباشرة بعد اتفاق الطائف عندما شرعت تظهر في صفوف النخبة اللبنانية الحاكمة شخصيات سياسية فاعلة ميزتها الوحيدة هي التدرج في المقاولات وتعاطي السياسة المحلية في بطانة الحكم السعودي وتحت الرعاية الأميركية المباشرة التي أدخلت إلى عالم السياسة اللبنانية ظاهرة رجال الأعمال المرتبطين بأمراء المملكة بعلاقات البيزنس وتأدية الخدمات المالية وحتى "الشخصية" وممن نشطوا في أعمال الوساطة التجارية والمقاولات كما كانت حال الرئيس رفيق الحريري التي تميزت بعلاقات متشعبة وديناميكة واسعة في المجالات المالية ومن ثم السياسية بما في ذلك تصدره واجهة النشاط السياسي السعودي خارج لبنان والبلاد العربية وفي باكستان مثلا.

لكن التجربة أثبتت ان لا شيء مجانا عند آل سعود فالمملكة سعت على الدوام إلى مبادلة نفوذها الللبناني من خلال المرتبطين بها بمواقف سياسية تعطيها حق التصرف بقرار لبنان وبصوته في المحافل العربية وفي الحقبة الحريرية تصرفت المملكة كلاعب داخلي يملك حق الفيتو ويمسك بالقدرة على التصرف السياسي انطلاقا من مزايا خاصة أعطيت للرياض في قلب التركيبة الاقتصادية والسياسية منذ الطائف وكخلاصة للشراكة الأميركية السورية السعودية التي رعت تنفيذ اتفاق الطائف .

ثانيا اكتشف آل سعود أهمية لبنان الاقتصادية والسياسية في حسابات دور المملكة الإقليمي فهو بوابة تدخل ممكن بصورة مباشرة وغير مباشرة في سورية التي طالما كان طموحهم الهيمنة على قرارها السياسي وضرب تطلعاتها لدور أكبر بمضمون يخالف المشيئة الأميركية ويعمم الخطاب القومي الذي شكل موضوع اشتباك مزمن بين السعودية ومصر الناصرية وسورية والعراق البعثيين وفي لبنان تنعم آل سعود منذ امد بعيد بفرصة شراء مساحات إعلامية وأتقنوا لعبة الهيمنة على الإعلام عبر شراء الصحف والكتاب والأحزاب والقنوات التلفزيونية وإلحاق الكثير من الإعلاميين بجداول الرواتب سواء عبر سفارتهم او من خلال دارة الحريري او أي دارة مشابهة لشخصيات أخرى تسبح بحمد العائلة المالكة وتوكل إليها الرياض مهمات الاستمالة والشراء بألف تغطية .

كل شيء قابل للشراء ، هذا ما طبقه مقاولو المملكة في لبنان وفي حصيلة الحقبة الحريرية يمكن القول إن شخصيات معدودة أفلتت من عبودية "العطايا والمكرمات" وظلت حرقة عصيانها حاضرة لدى السعودية وفريقها اللبناني .

بلاغ إلغاء "المكرمة السعودية" المخصصة للجيش اللبناني أرفق بكلام يفضح اكاذيب الوكلاء والوسطاء من الساسة اللبنانيين الذي واظبوا على اجترار عبارات التبجيل والتفخيم بحق أمراء آل سعود وعن "مملكة الخير" التي تغدق اموالها بلا مقابل !

المعادلة التي يطرحها بيان الإلغاء هي نفسها تفضح الغاية من هذا "الكرم" فالمطلوب هو التحاق لبنان بالقطيع السعودي في الأسرة العربية وتحريم انتقاد سياسات المملكة او التمرد على مشيئتها في لبنان وذلك يسري على أي شخصية او جهة لبنانية او التصويت خارج التكتل السعودي في الجامعة العربية او منظمة المؤتمر الإسلامي وهذا ما يدفع اليوم مروان حمادة مثلا للمطالبة باستقالة الحكومة لتعذر الدعوة إلى إقالة وزير الخارجية الشجاع في ظل الشغور الرئاسي.

ثالثا المطروح سعوديا هو شراء المواقف اللبنانية بالجملة مقابل تزويد الجيش اللبناني بالعتاد الذي توافق عليه إسرائيل كما كشفت تفاصيل التفاوض على الصفقة الفرنسية هذا إضافة إلى ما تردد عن فضائح العمولات والرشاوي التي ربما دفع بعضها لوسطاء ومسؤولين قبل إلغاء الهبة كليا ويدخل في ميدان تبني السياسات السعودية الموقف من الدولة الوطنية السورية التي تحرم القيادة السعودية على لبنان أي تنسيق معها سياسيا او عسكريا او التعامل حتى في حدود قضية مشتركة كالنزوح إضافة إلى محاولات المملكة وأتباعها اللبنانيين تحويل لبنان إلى منصة حاضنة لعصابات التكفير الإرهابية التي تقاتل ضد الجيش العربي السوري والمعضلة السعودية الأصلية مع حزب الله أنه كبح اللعبة السعودية وأبطلها بمبادرات هجومية على مقربة من الحدود وفي العمق اللبناني وبالتعاون مع الجيش اللبناني خلافا لنوايا وتصرفات أتباع السعودية في لبنان الذين عجزوا عن منع انخراط المقاومة في القتال إلى جانب الجيش العربي السوري وحيث شكلت مساهماته تحولا نوعيا أفشل الخطط السعودية تباعا.

المسألة التي لا يجب ان تغيب عن بال هي ان توقيت الهبة كان مريبا من أصله واعتبر بعض المحللين والمنقبين في الكواليس ان المملكة أرادت فرض التمديد للرئيس السابق ميشال سليمان وتعويمه بالهبة وحين تبين انه لا مجال لتمرير ذلك علقت الهبة في متاهة التأخير والعرقلة وصولا إلى الإلغاء بذرائع العسر المالي الذي تجتازه المملكة فعلا بنتيجة تورطها في الحرب على سورية التي كلفت مليارات وغزوها العسكري لليمن الذي يكلفها مئات المليارات من احتياطها النقدي وحيث تقودها نتائج خفض أسعار النفط إلى اتباع التقشف في الإنفاق الداخلي والخارجي على السواء ( وعسى ذلك يحرر السياسة والإعلام في لبنان ولو نسبيا من مدمني الارتزاق والتنفع ).