Get Adobe Flash player

321123

غالب قنديل

أوحى الرئيس فلاديمير بوتين مسبقا بوجود اعتراضات سورية محتملة على نص مشروع القرار الدولي حول سورية الذي تفاهمت عليه روسيا والولايات المتحدة ومن ثم صدر القرار 2254 عن مجلس الأمن الدولي رسميا وبالإجماع.

أولا رحبت سورية بالقرار في كلمة لمندوبها الدائم السفير بشار الجعفري واعتبره العديد من أصدقائها ومناصريها بحق انتصارا لوجهة نظر الرئيس بشار الأسد التي عبر عنها منذ بداية الحرب على سورية وبصورة خاصة مضمون كلمته في قصر الأوبرا بدمشق يوم 6 كانون الثاني عام 2013 التي قدم فيها تصورا للمسار السياسي يتفق ومضمون القرار الصادر عن مجلس الأمن (أولوية مكافحة الارهاب ـ حوار داخلي ـ دستور وانتخابات) والمفتاح المركزي فيه ان الشعب السوري يختارممثليه ويقرر مستقبل السلطة السياسية في البلاد وقد وفر القرار غطاءا شرعيا أمميا للحرب التي تخوضها الدولة الوطنية السورية والجيش العربي السوري وحلفاؤه ضد عصابات الإرهاب التكفيري.

أهم ما في الأمر إجبار الولايات المتحدة على التراجع السياسي المعلن عبر التسليم بسقوط شروطها المسبقة التي تجسدت بدعواتها المتكررة إلى تنحي الرئيس الأسد وهو امر كرسه بيانا فيينا اللذان وافق عليهما الوزير جون كيري وأقرانه في حلف الناتو ورضخ للمضمون وزراء الخيبة من حلف العدوان التركي السعودي القطري ، تجاهلت روسيا في هذا السياق صراخ هؤلاء واهتمت بمصادقتهم على النصوص التي اقترحتها في القاعات المغلقة وحولت البيانات المتفق عليها إلى مرجعيات للعملية السياسية السورية تجب ما قبلها وخصوصا بيان جنيف الشهير .

ثانيا لو كان الرئيس بوتين يريد لفت انتباه القيادة السورية إلى بعض نقاط القرار الدولي لأجرى اتصالا مع الرئيس بشار الأسد وتشاور معه في النصوص قبل التفاهم عليها مع الوزير جون كيري وربما يكون ذلك قد حصل بالفعل .

على الأرجح أراد الزعيم الروسي علانية ان يحتفظ للحليف والشريك السوري بحق الاعتراض والتحفظ على بعض بنود القرار وآلياته لحماية المصالح الوطنية السورية ولشل أي تلاعب اميركي محتمل لاحقا وفي ذلك التعبير الدقيق عن حقيقة ان التفاهم على مشروع القرار بين روسيا والولايات المتحدة لا يعني انتهاء الخلافات بل إنه يمثل تقدما مهما لوجهة النظر الروسية السورية والإيرانية والصينية ومقدمة لاحتواء الصراع مع الولايات المتحدة حول سورية وهو كما عومل في الولايات المتحدة وسائر دول حلف العدوان اعتبر إذعانا اميركيا لموسكو وانتصارا للرئيس بشار الأسد وقد نشرت الصحف الأميركية والغربية ما يمكن اعتباره بكائيات الإذعان الأميركي للروس في سورية وران صمت الخيبة على العديد من جماعات المعارضات السورية وخصوصا لدى فصائل الإرهاب والتكفير وهذه المشاهد بذاتها تقدم صورة عن الرابح والخاسر في المحصلة.

ثالثا إشارة بوتين مبنية على واقع ان أي قرار دولي يقدم صياغات عامة لمباديء وتوجهات ستجد مضمونها الفعلي في آليات عمل ومعادلات واقعية وفي القرار الدولي الكثير من البنود التي قد يتحول كل منها إلى ميدان صراع حول الآليات بدءا من مفهوم وقف إطلاق النار وتصنيف الجماعات المسلحة واقعيا بين فئتي الإرهاب والتمرد المفتوح على احتمال الشراكة مع الدولة السورية وقواتها المسلحة في مقاتلة الجماعات الإرهابية وصولا إلى نصاب الحوار بين الحكومة والمعارضة وبنود ذلك الحوار وآليات تجسيد نتائجه والرقابة على الانتخابات وغير ذلك الكثير من النقاط التي توضح مجددا أن القرار الدولي الصادر بقدر ما هو ثمرة ميزان جديد للقوى فإنه سيكون خاضعا في مساره لتحولات هذا الميزان أي لحركة الميدان.

هذا الميدان شهد تغييرات كبيرة منذ الانخراط الروسي إلى جانب سورية وحلفائها في مقاتلة الإرهاب وقد انتقل الجيش العربي السوري والقوات الشعبية الشريكة والحليفة إلى شن هجمات واسعة تساقطت أمامها معاقل الإرهابيين في العديد من الجبهات السورية في حين أن أهم نتائج المبادرة الروسية الهجومية كان لجم الدور العدواني التركي في سورية وتقطيع الأذرع التركية وضرب نسبة كبيرة من خطوط الإمداد المالي والعسكري عبر الحدود التركية .

رابعا رضخت الولايات المتحدة للتصور السوري المدعوم من حلفاء دمشق ( روسيا وإيران والصين ) حول العملية السياسية وأسقطت الشروط الأميركية المسبقة منذ لقاءات فيينا وبيانيها الأول والثاني وهي عملية سياسية جاءت ثمرة التوازنات العسكرية المتحولة وقد باتت مجسدة بالقرار الصادر عن مجلس الأمن .

هذا المسار السياسي سوف يقوده الميدان وستكون كل خطوة محتملة في آليات التطبيق نطاق تجاذب وصراع بين المحورين المتقابلين في العالم وعلى الأرض السورية ولذلك يمكن القول إن المسار السياسي الذي يحركه القرار الدولي هو بذاته ميدان للصراع يجري عبره تسييل معادلات القوة على الأرض ومن تلك المعادلات تنبثق الصياغات السياسية وخطوات التطبيق العملي وهذا يفترض درجة عالية من الحزم واليقظة دفاعا عن استقلال سورية وموقعها في محور المقاومة ورفض الهيمنة الاستعمارية الذي هو الأصل في كل ما يجري.

ما تحقق حول سورية ناتج عن تغيير في التوازنات لصالح الدولة الوطنية السورية ومحور المقاومة وشركائهما روسيا والصين ودول البريكس وتثبيت النتائج في الأرض يصون تعبيراتها السياسية وكل تقدم في الميدان سيقابله تقدم في السياسة إلى لحظة الانتصار السوري الناجز الذي سيكون انتصارا لمحور عالمي بكامله.