Get Adobe Flash player

F01 02 24 08 2015 469960 large

غالب قنديل

تروّج في الشارع اللبناني وعبر وسائل الإعلام تسميات ومصطلحات تطلق بعبثية وانتقائية، وهي تخفي نوعاً من التضليل والتعمية المقصودين على الدوافع والأهداف الكامنة خلف بعض التحركات والمواقف. وأول الطريق الأكذوبة الرائجة تحت تسمية «المجتمع المدني» اليافطة التي ترفعها جماعات وحلقات وهيئات تمّت تربيتها وتنشئتها في حضن سفارات وهيئات ووكالات الدول الغربية، وقدّمت لها الموازنات المالية في إطار مشاريع «نشر الديمقراطية» والتدريب على «الثورات» التي تقودها السفارة الأميركية في لبنان منذ سنوات، وحيث تستخدم في التسمية كلمة «مدني» للتضليل ولتورية أجندة النشاط والتحرك الأبعد مدى الذي يضمر في غاياته النهائية ما هو أخطر وأدهى من الاحتلال العسكري المباشر. فمشروعها الحقيقي هو تجديد الهيمنة الغربية على لبنان وتوسّل استثمار القضايا الاجتماعية لتسويق خيارات تناقض الاستقلال الوطني والسيادة الوطنية، وحيث يجاهر المخططون الأميركيون بسعيهم إلى تكوين كتلة مضادة للمقاومة والتيارات السياسية الاستقلالية الداعمة لها في الواقع اللبناني بالاعتماد على تلك الجماعات التي يغدقون عليها مساعداتهم ويسعون إلى تلميعها بعناوين خادعة عبر تقديمها إلى اللبنانيين بصفات وأسماء متعددة تنتحل التبشير بالسلم والديمقراطية والتنمية. لكن ما يجب الالتفات إليه هو أن البطالة السياسية التي تعيشها القوى الوطنية المناهضة للمشاريع الاستعمارية توسّع من هوامش تحرّك هذه الجماعات ومن قدرتها على التضليل باستثمار عناوين يغيب الوطنيون عن التعامل معها منهجياً ولأنه لا وجود للفراغ في السياسية أصلاً.

بناء على الحاجة الأميركية لتجديد مواقع النفوذ وبلورة بدائل للزعامات المستنزفة شعبياً، تحركت الولايات المتحدة منذ سنوات وبصورة مكثفة بعد العام 2000 لاستقطاب تجمّعات لبنانية شبابية، وضاعفت جهودها بعد العام 2005 عبر ما سمّته وكالات الإعلان الأميركية «ثورة الأرز» ومؤخراً أظهرت أزمة النفايات مجموعة من متدرّبي المعاهد الأميركية الذين شاركوا في مبادرة التحرك الشعبي وتحت حماية ورعاية السفير ديفيد هِل الذي سعى إلى تجيير التحرك لأهداف قوى 14 آذار ليجتمع النواب ولينتخبوا رئيساً وقد تحوّلت هذه العبارة منذ مدة إلى لازمة سياسية أميركية تكرّرت في البيانات الرسمية الصادرة من واشنطن حول الوضع اللبناني.

أما المصطلح التائه بعيداً عن علم الاجتماع فهو تعبير «الطبقة السياسية» الواقع خارج جميع التصنيفات العلمية، فالطبقة هي مصطلح يحدّده موقع فئة اجتماعية معينة من علاقات الإنتاج وفي التراتب الاجتماعي، وإنْ كان المقصود في استعمال ذلك التعبير تجاوزاً هو القوى السياسية الحاكمة أو النافذة في الحكم، أيّ القوى التي تحقق مصالحها المادية من خلال دورها السياسي، فهذا ما ينطبق على جميع المتعاطين في السياسة وعلى سائر طبقات المجتمع وتعبيراتها السياسية وأحزابها بما في ذلك نجوم منظمات «المجتمع المدني» الذين هم ذراع سياسية ترتبط عضوياً بمصالح الدول الأجنبية الراعية التي تمدّهم بالمال وبالدعم الإعلامي المبرمج ويغرفون من توجيهاتها ثقافة مسطحة وتابعة للغرب يعملون على تعميمها عبر مواقع التواصل الاجتماعي وسواها بألف قناع وقناع، مرة تحت يافطة الحريات والديمقراطية، ومرة تحت عنوان قضية المرأة وحقوق الإنسان، ومرات ومرات بغلاف التنمية الاقتصادية لربط فئات اجتماعية فقيرة ومهمّشة بشبكة مصالح تتيح استتباعها.

في التحرّك الاحتجاجي الذي أطلقه تجمع «طلعت ريحتكم» حضرت منتجات الفوضى الفكرية دفعة واحدة، وقد استنتج البعض أن الغاية المقصودة كانت إطلاق حالة من الفوضى، وإذا وضعنا سوء النية الافتراضي جانباً نجد في ذلك تعبيراً عن ارتباك وذهول فرضته مفاجأة حجم الحشود بحيث طرحت في وقت واحد جملة شعارات مختلفة ومتعدّدة من نوع استقالة الحكومة وماذا بعد ذلك في ظلّ الفراغ الرئاسي؟ أو الدعوة لإسقاط النظام بأي تعبير إجرائي وما هو الإطار الدستوري التأسيسي البديل؟ بينما كان واضحاً لكلّ ذي بصيرة أن إجراء الانتخابات النيابية على أساس النسبية هو المدخل الواقعي للتغيير السلمي والشعار السياسي المناسب للحظة الراهنة، وكان يمكن الدعوة إلى الاستمرار في الاعتصام والتظاهر إلى حين انعقاد المجلس النيابي وإقرار قانون جديد للانتخابات يتضمّن موعداً قريباً لإجرائها بهدف إطلاق عملية تجديد المؤسسات الدستورية والاحتكام إلى الإرادة الشعبية، فينتخب المجلس النيابي الجديد رئيساً للجمهورية وتنبثق حكومة جديدة تمثل الغالبية التي ستأتي بها الانتخابات، ولكن لا يبدو انه من قبيل المصادفة يتمّ تجهيل القوى السياسية المسؤولة عن منع الانتخابات ومنع التفاهم على قانون جديد لإجرائها على أساس النسبية وهي معروفة وظاهرة للعيان في بيانات وتصريحات رسمية لأركان المستقبل وحلفائهم، أما لو أراد المنظمون حصر موضوع التحرك مباشرة بقضية النفايات فكان الطبيعي ومنذ اللحظة الأولى تبني ما اقترحوه بالأمس أيّ إلغاء المناقصة الذي تقرّر في مجلس الوزراء بدافع مراجعة الأرقام الفضائحية وتسوية الاختلاف في تباين العائدات الريعية وليس للتخلي عن خيار الخصخصة، بينما المطلوب هو إسقاط خيار الخصخصة في ملف النفايات لصالح تفعيل العمل البلدي تحت الرقابة الشعبية ومن ضمن توجه شامل لإسقاط النيوليبرالية التي نخرت لبنان اقتصادياً واجتماعياً وحوّلت قطاعاته الإنتاجية إلى خراب وهجرت شبابه بالجملة.