Get Adobe Flash player

11348

غالب قنديل

مما لاشك فيه ان الرئيس فلاديمير بوتين يتميز برصانة سياسية كبيرة ولكنه يتقن بالمقابل فن المناورة والتقاط التوقيت المناسب لإطلاق مواقف مدروسة لها تفاعلاتها وانعكاساتها على صعيد القضايا والملفات الكبرى التي تمسك روسيا بمفاتيح مهمة في جلها من موقعها الفاعل والمؤثر في التوازنات العالمية الجديدة.

أولا السؤال الذي طرح نفسه امس على جميع الدوائر السياسية والإعلامية المتابعة هو معنى دعوة بوتين في اجتماعه بالوزير وليد المعلم إلى الحوار والتعاون بين سوريا وحكومات كل من السعودية والأردن وتركيا في مكافحة الإرهاب بالتوازي مع تشديده المتجدد على دعم روسيا للدولة الوطنية السورية سياسيا واقتصاديا وعسكريا وتأكيده الحازم على دور الرئيس بشار الأسد المحوري في مستقبل سوريا مع العزم على رعاية روسية مستمرة للحوار السوري بذات الآلية التي افتتحها منتدى موسكو .

إن دعوة بوتين للتعاون بين سوريا والحكومات الإقليمية التي سماها تكشف طبيعة ما تناقشه القيادة الروسية مع هذه الدول وخصوصا مع السعودية وتركيا ومع حكومات عديدة في الغرب ومع الولايات المتحدة خصوصا حول حتمية التعاون مع الدولة الوطنية السورية في أي جهد حقيقي دوليا وإقليميا لمكافحة الإرهاب وهذا ما ركزت عليه موسكو منذ إعلان اوباما عن تحالفه للحرب على داعش التي تحدث بوتين في سياق ما نقل عنه على مخاطر انفلاشها في المنطقة وتصاعد عملياتها دوليا وإقليميا مؤخرا.

ثانيا اختار الرئيس الروسي هذا الأسلوب في صياغة مواقفه لقطع دابر كل جدل او نقاش حول مواقف موسكو ومدى دعمها وتبنيها للموقف السوري وللرئيس بشار الأسد وهو يخاطب دول العالم والمنطقة قائلا : من يريد التخلص من خطر ارتداد الإرهاب وتوسعه عليه التعاون مع الرئيس بشار الأسد ليس لأنه فقط رئيس الدولة الوطنية السورية التي تقاتل ضد الإرهاب التكفيري عن العالم كله والزعيم السوري الوطني المؤهل لقيادة سوريا ولرعاية حوار سوري بهدف بلورة إرادة وطنية مشتركة في مجابهة الإرهاب وللدفاع عن بلاده يريد بوتين ان يقول صراحة إن هذا القائد الذي صمد في وجه مؤامراتكم ببسالة وثبات وعجزتم عن زحزحته هو الشريك الذي لا بديل له في أي جهد حقيقي للقضاء على خطر الإرهاب في المنطقة والعالم وقد بتم تستشعرون مخاطره عليكم.

الطريقة التي طرح فيها الرئيس بوتين هذه الرؤية بمناسبة استقباله للوزير وليد المعلم هي الرد الفعلي على جميع الشائعات والأكاذيب التي نشرت على اوسع نطاق عن مساومات جارية مع روسيا بالتزامن مع اللقاءات التي عقدها بوتين مؤخرا مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وولي العهد السعودي محمد بن سلمان وهو رد جديد يضاف إلى تصريحاته القوية عن دعم الرئيس بشار الأسد لكن التوقيت هذه المرة جاء بعد ضربات داعش في تونس وفرنسا والكويت وفي ظل ما يتردد عن قلق الارتداد الداعشي في تركيا على مستوى الرأي العام والقوى السياسية على الأقل .

ثالثا طبعا تبلغ الرئيس بوتين من القيادة السورية سابقا وقبل زيارة الوفد السوري الرفيع برئاسة المعلم الذي التقاه معلومات كثيرة حول ما يدور من اتصالات لتعزيز التنسيق الإقليمي في مقاومة الإرهاب بين بغداد ودمشق وطهران وما يجري التحضير له على هذا الصعيد وهو في كلامه عن السعودية والأردن وتركيا يوجه دعوة لهذه العواصم الثلاث لعدم التصرف بخلفية المحاور المتقابلة مع ما سيظهر من تحركات بل للإنضمام إلى الجهود العراقية السورية والإيرانية المشتركة لتحويل العمل إلى تعاون إقليمي ضد الإرهاب العابر للحدود محوره تثبيت الدور المركزي للدولة الوطنية السورية في المنطقة وهو عمليا يطالب تلك الحكومات بالتقاط الفرصة للتراجع والانكفاء من العدوان على سوريا.

خلافا لما قد يتبادر إلى الأذهان ما جرى إعلاميا لم يكن حوارا روسيا سوريا حول فكرة التعاون الإقليمي الممكن بل هو تظهير مشترك للموضوع من زاويتين متكاملتين وقراءة الوزير وليد المعلم السياسية التي صرح بها بعد اللقاء تستكمل الصورة التي رسمها بوتين فالانتقال بالعلاقة مع تلك الدول إلى التعاون مع سوريا يتطلب منها كشرط مسبق تفكيك منصات العدوان وإغلاق غرف العمليات وتجفيف المنابع والموارد ووقف الحملات الإعلامية الداعمة للإرهابيين وإغلاق حنفيات التمويل ومساربه عبر الحدود وهو شرط الوجوب لانضمامها أصلا إلى جهود مكافحة الإرهاب .

بالطبع يتفق الرئيس بوتين مع هذا التصور السوري بالكامل لكنه يستثمر على تسارع وتائر الارتداد الإرهابي داخل تلك الدول ومن حولها أملا في بلورة تحول سياسي سيكون لمصلحة سوريا حال حصوله فهي ستكون قادرة على التعافي بوتائر عالية السرعة وفي زمن قياسي لو تم تجفيف المنابع والممرات من حولها.