yamannni

غالب قنديل

تبدي المملكة السعودية حالة من الانفعال في التعامل مع النقاش الذي حركته حملتها العسكرية ضد اليمن ويبدو واضحا من التعليقات والردود والتصريحات والمقالات التي تظهر في وسائل الإعلام ان حالة من التوتر والتشنج تطغى على التعامل مع كل ما يتصل بتلك الحملة العاثرة التي تفتقد إلى المشروعية السياسية والأخلاقية بينما تظهر نتائجها في تعداد يومي لضحايا أبرياء من مواطني اليمن المباحين لغارات وحشية متلاحقة تترك حروقا لا تمحى آثارها على أجساد الأطفال الذين تحاول غرف العمليات الإعلامية تعميم دعاية عن حملهم السلاح لتبرير قتلهم جماعيا ولإضعاف مفاعيل الصور التي بثها الإعلام اليمني الوطني لضحايا الغارات والتي لا تشبه غير صور ضحايا الغارات الإسرائيلية في مصر وسوريا ولبنان .

اولا  منذ عقود تعودت المملكة على معاملتها من قبل قيادات عربية وطنية بمسايرة أقلها تحاشي الاصطدام او الاحتكاك وهي تمكنت بقدراتها من تكوين جماعات مساندة إعلامية وسياسية في العديد من الدول العربية وإلى حد بعيد يمكن القول إن مكوث المملكة أحيانا خارج التداول السياسي والإعلامي المثير للجدل يرجع أساسا إلى انها كانت تقف في خلفية الأحداث وتحرك الصراعات بالواسطة عن طريق حلفائها وشركائها وهي في حربها على اليمن انتقلت دفعة واحدة إلى الواجهة سياسيا وعسكريا فباتت تحت الأضواء وباتت مواقفها وقراراتها مجالا للنقد والتقييم على مدار الساعة وهو ما لم يألفه المسؤولون السعوديون سابقا فأثار انفعالاتهم.

منذ الثمانينات نجحت المملكة في التخفي خلف لاعبين ظاهرين وهي على سبيل المثال كانت خلف السادات في زيارة الكنيسيت واتفاقيات كمب ديفيد وكانت خلف الأخوان المسلمين في التآمر على سوريا في الثمانينات من القرن الماضي ردا على كمب ديفيد تماما كما دعمت الحرب العدوانية على سوريا وخاضتها بكل إمكاناتها منذ أربع سنوات ووقفت خلف الرئيس العراقي الراحل صدام حسين في الحرب على إيران ثم خلف العدوان الأميركي على العراق وكانت خلف الرئيس اللبناني السابق أمين الجميل في اتفاق 17 أيار وخلف الرئيس الفلسطيني السابق ياسر عرفات في اتفاق أوسلو وكانت خلف قوى 14 آذار اللبنانية في حرب تموز ومن ثم خلف حكومة الرئيس السابق فؤاد السنيورة وقرارها بتفكيك شبكة اتصالات المقاومة وسرعان ما كانت المملكة تستفيد من مواقعها في القيادة من الخلف بواسطة المال والإعلام لتتهرب من تبعات أفعالها وتتراجع تاركة من شجعتهم واستخدمتهم يتحملون أكلاف سيرهم في ركابها.

ثانيا يعكس الانفعال السعودي في هذه المرحلة حالة من القلق والعجز عن الفهم والاحتواء امام مشهد الفشل وتراجع النفوذ الإقليمي للمملكة وبدلا من مراجعة السياسات المختلة التي اتبعتها الرياض في التعامل مع ملفات المنطقة الرئيسية بدءا بقضية فلسطين تندفع المملكة في حالة من الغضب والتوتر في مغامرتها العدوانية ضد اليمن.

المشكلة الجوهرية هي خضوع المملكة لهيمنة الولايات المتحدة ولمنظومة السيطرة الاستعمارية على المنطقة التي سخرت المملكة جميع إمكاناتها في خدمتها لعقود مضت وقد انبثقت عن هذه الحقيقة تطلعات سعودية غير واقعية تحركها أوهام الهيمنة الافتراضية على دول عربية تمتلك مقدرات اقتصادية ومواقع جيوسياسية مؤثرة في المنطقة كسوريا والعراق واليمن ومصر والمشكلة التي عانت منها المنطقة كانت البحث السعودي عن دور يتمحور على التسليم باحتلال فلسطين والاعتراف بإسرائيل تحت عباءة مشاريع السلام والمبادرات السلمية التي تخدم السياسة الأميركية في المنطقة والرفض السعودي المتمادي لفكرة المقاومة حتى بعد ان أثبتت جدواها فقد تحركت المملكة بجميع قدراتها كقوة تطويع للعرب والمشكلة العربية المزمنة منذ ما قبل انتصار الثورة الإيرانية هي العداء السعودي المستحكم لكل نزعة وطنية عربية تحررية تعادي الاستعمار والصهيونية من المحيط إلى الخليج وهذا ما برهنت عليه التجربة التاريخية منذ عقود ولا سيما في فترة نهوض زعامة الرئيس جمال عبد الناصر.

ثالثا بعد تساقط لائحة الأهداف الافتراضيةانكشفت عاصفة الحزم بوصفها حملة عقاب جماعي للشعب اليمني بدون سقف زمني ومن غير أهداف سياسية فقد تهاوت الشعارات السابقة للحملة الجوية على اليمن وتراقصت الأهداف المستحيلة المعلنة للحرب من تدمير الحركة الحوثية ثم نزع سلاحها إلى القضاء على الرئيس السابق علي عبدالله صالح وأنصاره إلى منع تقدم الجيش اليمني واللجان الشعبية نحو عدن ويبدو ساطعا في نتائج الميدان ان كل تلك الرهانات واهية وصعبة المنال .

الغارات على اليمن نجحت فحسب في قتل المزيد من اليمنيين ولكنها لم تفعل سياسيا سوى مضاعفة حجم الالتفاف الوطني حول الجيش والقوى الوطنية المقاومة وزيادة معدل الاستنفار الشعبي لصد العدوان وهو ما جسدته كثافة القوى الشعبية المشاركة في حملة تطهير اليمن من أوكار القاعدة وجماعات التكفير الإرهابية التي تسميها وسائل إعلام الحرب الأميركية السعودية بقوات القبائل او قوات الرئيس منصور هادي وبينما ساد الإحباط في الرياض نتيجة الموقفين الباكستاني والتركي الذين عرقلا اندفاعة الحرب التي راهن الأمراء السعوديون على تتويجها باكتساح بري ينفذه الجيشان الباكستاني والتركي بمشاركة وحدات برية مصرية تبدو المملكة عالقة في فخ لا يستهان بآثاره حيث التراجع صعب ومكلف والتقدم شبه مستحيل وبعدما نجحت القوى اليمنية الوطنية في إبراز صورة العدوان عارية امام العالم والمنطقة واتباعها التريث في الردود الدفاعية الرادعة التي يملك اليمنيون كثيرا من أدواتها.