Get Adobe Flash player

خامساً، الصناعات الثقيلة. من نافل القول الاستنتاج أن سورية قبل الحرب الإرهابية التي شنت عليها لم توفق كثيراً في الصناعات الثقيلة، وربما كان هذا طبيعياً لأن دول كثيرة سبقت سورية في مضمار هذه الصناعات ولم تكن تتوفر لسورية الإمكانيات للنهوض بهذا القطاع الصناعي، والمقصود بالإمكانات الاستثمارات الكبيرة وأيضاً الخبرات والأيدي العاملة الماهرة، هذه الصناعات لا تزال تتركز في دول بعينها لهذه الأسباب، وهي الدول التي شكلت قاطرة الصناعات الثقيلة ولا تزال هذه الدول تستحوذ على هذه الصناعة وتفرض قيوداً شديدة على محاولات نقلها وتوطينها في بلدان أخرى. فضلاً عن ذلك أن سورية في ترتيب موقعها وقدرتها تاريخياً إزاء هذه الصناعات وأولوياتها، ولاسيما الدفاعية، لم تكن في وضع يؤهلها للتركيز على هذه الصناعات، وأي جهد بذل على هذا الصعيد لم يكن موفقاً وغالب الأحيان مثَّل تبديداً للأموال وإهداراً للإمكانيات, وعلى أية حال هذه ليست ميزة سورية التنافسية وهي في بداية انطلاقتها في مضمار الصناعة بشكل عام. المقصود بالصناعة الثقيلة هو صناعات الآلات التي تحتاجها مجمل قطاعات الاقتصاد، وأيضاً صناعة السيارات بأنواعها المختلفة، وصناعة الطائرات للأغراض الحربية والمدنية.

Read more: إعادة بناء سورية: الأولويات، مصادر التمويل، الآفاق (16)  حميدي العبدالله

رابعاً، الصناعات الدوائية. في فترة ما قبل الحرب اشتهرت سورية، بعد الصناعات النسيجية والغذائية، بصناعة الدواء. وقد تم إيلاء هذه الصناعة بدايةً الاهتمام لاعتبارات أبرزها, أولاً، الحصول على حاجة سورية من الأدوية دون الاستيراد من الخارج، سيما وأن سورية عانت لفترة عقود من نقصٍ في العملة الصعبة، وبالتالي فإن توفير احتياجات السوريين من الأدوية عبر الاستيراد يعني نزيفاً إضافياً للعملة الصعبة، وهي نادرة الوجود بسبب ضعف التصدير في الاقتصاد السوري، وبسبب العقوبات التي فرضت على سورية من الحكومات الغربية منذ مطلع عقد الثمانينات، وتحديداً بعد رفض سورية لاتفاقات كمب ديفيد. كذلك جاء الاهتمام بالصناعة الدوائية من قبل الرئيس حافظ الأسد في سياق التركيز على القطاع الصحي, إذ من المعروف أن سورية حققت تقدماً كبيراً في هذا القطاع ونالت عليه ثناء منظمة الصحة العالمية. وكان من الصعب اكتمال عمل القطاع الصحي فقط من خلال انتشار المشافي والمستوصفات، بل إن عملية توفير الدواء كانت قضيةً هامةً وضروريةً وملازمةً للتقدم الذي تحقق في المجال الصحي. ثانياً، تصدير فائض الإنتاج إلى الأسواق الخارجية، وعملية التصدير كانت الحصة الأساسية فيها للقطاع الخاص, وقد تمكن القطاع العام والخاص من إنتاج أصنافٍ عديدة من الأدوية تغطي حوالي 90% من احتياجات السوريين بكلفة أهلت منتجات مصانع الأدوية السورية لإنتاج سلعٍ قادرة على الصمود في مضمار المنافسة في الأسواق الداخلية وفي الأسواق الخارجية، ونظراً لاستحواذ الصناعات الدوائية على الأسواق السورية بشكل كامل، والقدرة على المنافسة في الأسواق الخارجية، تمكن هذا القطاع من التوسع إلى درجة كبيرة، وباتت سورية دولةً مميزةً في صناعة الأدوية، على الأقل في المنطقة العربية ومنطقة الشرق الأوسط.

Read more: إعادة بناء سورية: الأولويات، مصادر التمويل، الآفاق (15)  حميدي العبدالله

ثانياً، صناعات الثروة الحيوانية. تأتي هذه الصناعات بالمرتبة الثانية بعد الصناعات الزراعية كون سورية تمتلك في هذه الصناعة ميزةً تنافسية نابعة من ما لديها من ثرواتٍ حيوانية (أبقار، أغنام، ماعز) بسبب سعة الأراضي السورية ومناخ سورية المعتدل، الذي يوفر بيئةً مناسبةً لتربية الماشية، فضلاً عن انخفاض كلفة هذه العملية بالمقارنة مع بلدان أخرى ظروفها المناخية مختلفة.

Read more: إعادة بناء سورية: الأولويات، مصادر التمويل، الآفاق (13)  حميدي العبدالله

ثالثاً، الصناعات المنبثقة من النفط ومشتقاته. لا شك أن ثمّة صناعات واسعة الاستخدامات يمكن استخراجها من المواد النفطية. معروف أن دول منتجة للنفط، مثل المملكة العربية السعودية وإيران، طوّرت صناعات من المشتقات النفطية، حولت من خلالها هذه الصناعات إلى ميزة تنافسية نظراً لسهولة الحصول على المواد الأولية ورخص هذه المواد بالمقارنة مع صناعات الدول غير النفطية التي كانت تحتاج إلى استيراد (النفط) وبعد ذلك إنشاء صناعات من مشتقاته.

Read more: إعادة بناء سورية: الأولويات، مصادر التمويل، الآفاق (14)  حميدي العبدالله

لا شك أن غالبية المواد الأولوية التي تمتلك فيها سورية ميّزة قابلة للتصنيع، وقادرة على إطلاق صناعة سورية يمكنها منافسة السلع المماثلة في الأسواق الخارجية. لكن سورية، وحتى قبل الحرب المدمرة, كانت تعاني من خللٍ على هذا الصعيد، ويتجسد الخلل في أمرَين أساسيَين، الأول، أن كل ما ينتج من مواد، سواء جرى تصنيعها أو ظلت مواداً خام تباع في السوق الداخلي السوري. ومعروف أن السوق الداخلي السوري هو سوق محدود، إذ لا يتجاوز عدد المستهلكين 24 مليون نسمة، ولذلك عادة يكون في ذروة المواسم كساد لمواد وسلع كثيرة، ومعروف أنه عندما يقل الطلب تنخفض الأسعار، وفي غالب الأحيان يصل هذا الانخفاض إلى مستوى دون الكلفة، وبالتالي هذا الواقع يدفع المنتجين للعزوف عن مواصلة عملية الإنتاج، والتحوّل إلى العمل في مجالات أخرى، الأمر الثاني، أن بعض المواد يجري تصنيعها، ولكن في مراحل أولى، وهي المراحل التي عادةً لا تنتج القيمة المضافة المطلوبة التي تدر على المنتج عائداً مجزياً وتدفعه للتمسك بمجال إنتاجه، بل حتى العمل على توسيعه سعياً للحصول على مزيد من الأرباح.

Read more: إعادة بناء سورية: الأولويات، مصادر التمويل، الآفاق (12)  حميدي العبدالله