Get Adobe Flash player

في عملية إعادة الإعمار، لا بد من إيلاء القطاع السياحي أهميةً تتناسب مع ما يتركه من آثارٍ إيجابية إن لجهة تحقيق عوائد سريعة، ربما أسرع من كل القطاعات الأخرى باستثناء قطاع الطاقة، أو كونه لا يحتاج إلى استثماراتٍ كبيرة، وعادةً الاستثمار الخاص يفضّل العمل في القطاع السياحي، سواء كان استثماراً خارجياً أو من السوريين لأنه مخاطره أقل وأرباحه أسرع.

ولكن ما هي التوجيهات التي يجب على خطط إعادة الإعمار أن تلحظها وتركز عليها؟

لا شك أن أول شيء يمكن التأكيد عليه من أجل إنهاض وتوسيع القطاع السياحي في سورية والحصول على النتائج المرجوة منه وتوظيف ما لدى سورية من مقومات سياحية، هو الأمن. لأنه من دون توفر الأمن والاستقرار لن تأتي الاستثمارات ولن يأتي السياح, وبالتالي لن ينهض القطاع السياحي.

وبالارتباط بالأمن لا بد من تسهيل إجراءات دخول السيّاح وإزالة جميع التعقيدات التي تعترض ذلك. ثمّة رؤية ترى أن تحقيق الأمن والاستقرار يتعارض مع انفتاح البلاد على السياحة والتركيز عليها. لكن هذه النظرية وهذا الاعتقاد خاطئ، إلا إذا كان المقصود بتوفير الأمن والاستقرار أن يحدث ذلك من دون أي جهد وإجراءات على مبدأ (الباب الذي يأتيك منه الريح سدّو واستريح). لكن مثل هذه المقاربة تحرم البلد الذي يعتمد هذه المقاربة من تحقيق المزايا والمكاسب التي تأتي من القطاع السياحي. مثلاً إمارة دبي تقع في منطقة مضطربة جداً، وذلك لم يحل دون نهوض السياحة فيها، وتوفير الأمن والاستقرار الذي يساهم في تحقيق نهضتها السياحية. دولٌ مثل أسبانيا وفرنسا والولايات المتحدة وحتى تركيا التي تستقطب العدد الأكبر من السيّاح حول العالم, لم يؤد تدفق ملايين السيّاح إليها إلى اهتزاز أوضاعها الأمنية وخسارة استقرارها.

بعد التأكيد على أهمية توفير الأمن والاستقرار بوصفه شرطاً أساسياً لنهوض السياحة وتسهيل إجراءات دخول السيّاح إلى البلاد, لكن كل ذلك لا يقود إلى استقطاب أعداد من السياح يتناسب مع مقدرات سورية السياحية إذا لم يرافق ذلك تشييد البنية السياحية اللازمة وتوفير مستلزماتها. في هذا السياق لا بد من الإشارة إلى أن عملية تطوير السياحة تهدف إلى خلق تحولات هيكلية في المنتجعات والوسائل السياحية الموجودة في أي منطقة جغرافية, ويتم ذلك عن طريق الاستخدام الأمثل لجميع الموارد الموجودة في هذه المنطقة. وعملية تنمية السياحة بقدر ما هي عملية سهلة لجهة استقطاب الاستثمارات والحصول على عائد مجزي، لكنها صعبة من جهة أخرى, لأنها تحتاج إلى بنيةٍ أساسية تتطلب جهداً كبيراً من الدولة.

المطلوب من الدولة أن يكون لديها نظام بسيط يسهل إجراءات دخول الزوار للمواقع السياحية، والعمل على توعية المواطنين بأهمية السياحة وتأثيرها الإيجابي على مستوى معيشتهم، وتوعيتهم بطرق تطوير السياحة وأنشطتها المتنوعة، وسن قوانين صارمة لردع محاولات استغلال السياح، وتسهيل فرص العمل في القطاع السياحي والعمل على تحسين الطرق ومظاهر جمال البيئة بشكل عام. وما يتوجب على الدولة القيام به على صعيد إعادة إعمار القطاع السياحي والتركيز عليه، بوصفه قطاعاً رائداً ومن نقاط قوة سورية الكامنة الذي لم يستثمر على الإطلاق في الفترة السابقة، لا بد من التشديد على بعض الأولويات وهي من مهام الدولة قبل أن تكون من مهام القطاع الاستثماري الخاص، سواء كان الاستثمار محلياً أو أجنبياً.

تجهيز المناطق المرشحة لأن تكون مناطق سياحية، سواء كانت سياحة دينية، أو سياحة حضارية (السياحة الثقافية) أي المواقع الأثرية والتاريخية، أو سياحة ترفيهية الجبال والبحار، تجهيز هذه المناطق ببنية أساسية تشكل قوة جذب للسياح، وكي تكون المنطقة منطقة جذب للسياح لا بد أن تتوفر فيها المرافق الخدمية الكاملة، مثل أسواق للتبضع، وفنادق للإقامة بمستويات مختلفة, وأماكن للهو والترفيه, وشبكة مطاعم تناسب مستويات الدخل المختلفة, وبيئة جذابة ونظيفة في المنطقة المستهدفة. لا يمكن للسياحة أن تزدهر إذا لم تتوفر مثل هذه البنية الأساسية الضرورية، ويمكن أن يكون هناك تعاون بين القطاع العام والقطاع الخاص لتجهيز هذه المناطق، وربما الجهد المبذول من قبل الدولة السورية في تجهيز المدن الصناعية يشكل دليلاً لبناء المدن السياحية، إن لجهة تحمل الدولة المسؤولية عن البنية الأساسية، بينما ينهض القطاع الخاص بتشييد المؤسسات الأخرى، مثل المطاعم والفنادق وصالات الألعاب والمولات والأسواق، الدولة تقدم الأرض, وحتى تساهم في بناء بعض المنشآت، والقطاع الخاص يتولى استكمال إجراءات الدولة. لا شك أن هذه عملية قد تبدو أنها عملية معقدة وصعبة, ولكن تجربة بناء المدن الصناعية في سورية تعطي مثالاً على إمكانية تذليل العقد والعقبات وإزالة العراقيل والوصول إلى الهدف المنشود.

بناء المدن السياحية في المناطق المرشحة لأن تكون مناطق سياحية غير كافٍ بحد ذاته، وهو يحتاج أيضاً إلى استكماله ورفده بتوفر الطرق التي توصل إلى الأماكن السياحية بسهولة مثل المطارات وسكك الحديد والطرق السريعة، على أن تكون كلفة الانتقال إلى المواقع السياحية كلفةً مقبولة ولا تثقل كاهل السياح، إذ من المعروف أن ثمة تنافس دولي اليوم على استقطاب السياح حول العالم، وهذا التنافس ينطلق من مبدأ خفض الإنفاق بالنسبة للسائح، وإذا كانت عملية الانتقال غير متوفرة، أو متوفرة ولكن بكلفة عالية، فهذا يحرم البلد المعني قدرته على المنافسة حتى لو كانت لديه مواقع سياحية فريدة، ويرغب السيّاح حول العالم ارتيادها. إضافةً إلى توفير سهولة الانتقال لا بد من توفر وسائل النقل مثل سيارات النقل المريحة، والقطارات المجهزة لنقل السياح وتوفير الراحة لهم، وبديهي القول إن عبء توفير وسائل النقل موزع على الدولة وعلى القطاع الخاص، مثلاً القطارات هي من مسؤولية الدولة, في حين أن أساطيل النقل البري الأرجح أن تكون من حصة القطاع الخاص، وقد يكون النقل الجوي موزعاً على الدولة وعلى القطاع الخاص. ولكن بمعزل عن نسبة توزيع أعباء تأمين وسائل النقل، فإن ذلك يحتاج إلى استثماراتٍ كبيرة, وقد لا تتوفر للدولة السورية، لاسيما بعد هذه الحرب الطويلة مثل هذه الاستثمارات، وبالتالي بات ملحاً إغراء الاستثمار الخاص للدخول إلى هذا القطاع والاستثمار فيه.

على أية حال حتى لو توفرت كل هذه الشروط فإن اجتذاب السيّاح من أنحاء العالم يحتاج إلى جهود أخرى في مجالات لا تنحصر بما ورد ذكره، بل إن للإعلام والترويج السياحي دور أساسي في تشجيع السياحة، سواء كانت سياحةً داخلية أو سياحةً خارجية. وغني عن القول إن سورية لا تمتلك على هذا الصعيد أي تقاليد تساعد على إنماء القطاع السياحي، لأن هذا القطاع كان مهملاً بشكل شبه كامل, وبالتالي لا بد من العمل انطلاقاً من واقع أن تجربة سورية على هذا الصعيد هي صفر، وذلك يتطلب أن يكون هناك ملحقون سياحيون في السفارات السورية وظيفتهم الترويج السياحي، ولا بدّ من تشكيل هيئات إعلامية مخصصة بالترويج السياحي لتدارك هذا النقص ومضاعفة الجهد لتسويق سورية سياحياً في ظل منافسة شديدة على مستوى العالم بأكمله.

كما أنه لا بد من تسهيل تأسيس مكاتب سياحية من خلال تعاون فعال بين الدولة السورية والقطاع الخاص, وظيفة هذه المكاتب ليس فقط دعم عملية تسويق سورية سياحياً، بل وأيضاً تنظيم عملية استقطاب السيّاح الأجانب من خلال الاتصال والتعاون مع الوكالات السياحية في الدول الأخرى.

كل هذه الإجراءات تحتاجها سورية لإطلاق تنمية سياحية تقود إلى إسهام القطاع السياحي في إعادة إعمار سورية وتمكينها من التغلب على ما خلفته الحرب.