Get Adobe Flash player

إذا كانت السياحة لم تعد قطاعاً ريعياً، وبات هذا القطاع يلعب دوراً هاماً في إطار الناتج الوطني لأي دولة في العالم في ضوء تطور وسائل المواصلات واختصار المسافات، وبات السياح حول العالم يتجاوز عددهم مليار وثلاثمائة ألف نسمة، فهل تتوفر لسورية المقومات الموضوعية التي تجعل منها بلداً رائداً في مجال السياحة، وبالتالي هل تتوفر لسورية المقومات الموضوعية التي تؤهلها لاستقطاب ملايين السياح من كل أنحاء الكرة الأرضية، وبالتالي يستطيع القطاع السياحي في سورية أن يلعب من خلال ذلك الدور الاقتصادي الذي يلعبه القطاع السياحي في تركيا وإسبانيا وفرنسا ودول كثيرة .

من الناحية المبدئية فإن أي بلد يمكنه أن يمتلك مقومات البلد السياحي الذي تؤهله هذه المقومات لاحتلال مكانة مرموقة بين الدول السياحية إذا توفرت لـه المقومات الآتية، المعالم والمغريات السياحية، والخدمات والتسهيلات السياحية والفندقية، وخدمات النقل والمواصلات، وعندما تتوفر كل هذه الشروط يصبح للبلد المعني مقومات الجذب السياحي، وتمثل المغريات والموارد ومقومات الجذب السياحي، سواء الدينية التاريخية، أو الطبيعية، أو العلاجية، أحد الركائز الأساسية للعرض السياحي (3) في أي دولة، كل هذه تعتبر عوامل تؤثر على الخيارات ومنها تحدد للسائح مكان الزيارة المقصودة.

وهذه العوامل تتمثل في طبيعة المكان من حيث توافر الشمس والرمال مثلاً، أو الجبال والجليد أو الغابات والأنهار، وإذا كانت هناك أربعة مقومات رئيسية للسياحة هي مقومات الطبيعة، والمقومات التاريخية والأثرية والمقومات الدينية، وبالتالي يمكن اعتبارها الأساس الطبيعي الذي يرشح أي بلد لأن يكون بلداً سياحياً، فإن سورية لديها جميع هذه المقومات. في المقومات الطبيعية، سورية لديها تنوع نادر لا مثيل لـه في أي بلد شرق البحر الأبيض المتوسط الذي يتميز بطبيعة متفوقة من الناحية السياحية، في سورية نتيجة لطبيعتها ومناخها، توجد الغابات والأنهار والسياحة البحرية، توجد البادية، وتوجد المناطق الجبلية، ولكل بيئة طبيعية يمكن خلق موسم سياحي شرط البناء على الميزة، التي تتوفر لهذه المنطقة. مثلاً في الصيف الجبال وشواطئ البحر، وعلى امتداد السنة المناطق الأخرى التي تتميز بالمناخ المعتدل.

أما بالنسبة للمقومات التاريخية والأثرية، فسورية هي مهد الحضارات،و لا يضاهيها في تنوع مواردها على هذا الصعيد سوى مصر واليونان، فالمقومات التاريخية والأثرية في سورية لحضارات قديمة وحضارات متوسطة موجودة على امتداد الأراضي السورية، وكل أنحاء سورية مهيأة لإقامة منتجعات سياحية مرتبطة بهذا العامل أكثر من غيره من عوامل الجذب السياحي.

أما بشأن المقومات الدينية، فإن سورية أيضاً لا تقل عن دول كثيرة لناحية وجود عوامل جذب للسياحة الدينية، ولعل السياحة الدينية هي السياحة الوحيدة الأكثر ثباتاً ولا تتأثر كثيراً بالتطورات والاضطرابات الأمنية، بدليل ما يجري في العراق في عاشوراء وأربعينية الإمام الحسين ومواسم الحج في المملكة العربية السعودية. وفعلاً على الرغم مما تعرضت لـه سورية خلال السنوات الثماني السابقة من حرب إرهابية بشعة إلا أن السياحة الدينية هي السياحة الوحيدة التي لم تتوقف، طالها بعض التقطع تبعاً لمستوى تدهور الأوضاع الأمنية، ولكنها لم تتوقف، ومع بداية خروج سورية من الحرب الإرهابية، بلغ عدد السياح بخلفية دينية في عام 2018 حوالي مليون سائح، وهذا أمر هام وتطور إيجابي كبير، وعبر عن مستوى قوة الإغراء والجذب التي تمثلها السياحة الدينية، ويرجح أن يتعاظم ويزداد عدد السياح في الأعوام القليلة المقبلة، وبدأ ذلك يخلق قوة دفع لبناء منشآت سياحية متعددة في محيط المزارات والمعالم الدينية.

إذن سورية من ناحية عوامل الجذب والمقومات السياحية الأساسية تتوفر لها شروط نموذجية، وتتوفر لها مواصفات ليست موجودة في دول عديدة باتت الآن تحتل موقعاً سياحياً متقدماً.

لكن في المقومات الأخرى التي تتمثل بالأبنية والمنشآت الحديثة والمرافق السياحية المؤهلة لاستقبال آلاف، بل ملايين السياح، فيمكن القول إن سورية لا تمتلك على هذا الصعيد أي مقومات جدية قادرة على جذب السياح حتى قبل الحرب، وجاءت الحرب التي دارت على امتداد الجغرافيا السورية لتقضي على المنشآت البسيطة التي أقيمت بمبادرات فردية أو مبادرات حكومية خجولة، أما بشأن التسهيلات السياحية، فهي في سورية شبه معدومة قبل الحرب، وبديهي ألا تكون موجودة بشكل مطلق أثناء الحرب، والمقصود بالتسهيلات السياحية مشروعات البنية الأساسية التي تشكل دعائم هامة للعمل على تسهيل وتقديم الخدمات السياحية من حيث عناصر السرعة والراحة، كما أن سورية كانت فقيرة للغاية قبل الحرب، وباتت معدومة الآن في مشاريع الإقامة والإيواء، والمقصود بهذه المشاريع الفنادق والشاليهات وأماكن السكن المؤقت الأخرى التي تأخذ بعين الاعتبار مستويات الدخل. مثلاً في سورية لا وجود قبل الحرب للقرى السياحية أو البواخر العائمة أو عدد المطاعم والفنادق والشقق ومرافق الترفيه الأخرى التي تستوعب ملايين الزوار. معظم الخدمات السياحية في سورية كانت موجهة للطلب الداخلي، والطلب لأصحاب الدخل المحدود، وبديهي القول إن المرافق التي تم بناؤها هي مرافق متواضعة، ولا تشكل مرافق هامة وحيوية تلبي احتياجات الطلب الخارجي، وبهذا المعنى لا يمكن الإقرار بأن في سورية كانت هناك بنية تحتية على هذا الصعيد، تؤهل سورية لأن تكون بلداً سياحياً كما أن تسويق القطاع السياحي كان معدوماً قبل الحرب وبديهي توقف بشكل نهائي أثناءها.

أما في مجال النقل والمواصلات. صحيح أن سورية كانت قبل الحرب تملك شبكة نقل ومواصلات متكاملة مثل سكك الحديد، ومطارات في مراكز غالبية المحافظات، وطرق سريعة، ولكنها كانت تفتقر إلى بنية المواصلات التي توفر للسياح النقل المريح، ومعروف أن مثل هذه الخدمات أصبحت جزءاً لا يتجزأ من عملية الجذب السياحي.

إذن تتوفر لسورية المقومات الضرورية لتكون بلداً سياحياً رائداً من حيث الموقع ومن حيث المناخ، ومن حيث شكل سطح الأرض، أي التضاريس بأنواعها المختلفة من جبال وسهول ومنخفضات ومسطحات مائية وما يوفر كل ذلك من تنوع المناظر الطبيعية، إضافةً إلى مقومات السياحة التاريخية الأثرية والدينية، أو ما يعرف بالسياحة الثقافية، ولكن باستثناء هذه المقومات التي تمنح سورية فرصة دائمة ومفتوحة لأن تصبح بلداً سياحياً بامتياز فإن سورية ليس لديها أي عامل من عوامل الجذب السياحي، كان هذا قبل الحرب المدمرة، وبديهي أن يكون الآن، وهذا ما يجب أن تستدركه خطط إعادة بناء سورية وإعمارها، أولاً من أجل تدارك التقصير الحاصل قبل الحرب، وثانياً لاستثمار مزايا سورية الخاصة التي تؤهلها لأن تحتل موقعاً متقدماً، وثالثاً لأن سورية بعد كل هذه الحرب المدمرة تحتاج إلى تعبئة كل مواردها وطاقاتها الكامنة، والقطاع السياحي واحد من هذه الموارد والطاقة الكامنة التي أهملت في السابق، وأضاعت على سورية فرص كثيرة.