اختار الأميركيّون أخيراً الطرف الدولي الذي يجب عليهم أن ينافسوه لأنه الجهة الأساسية التي تتسبب لهم بتراجعات اقتصادية. فما يهمّهم هو المحافظة على المرتبة الاقتصادية الأولى في العالم ولا يبدو ان روسيا وغيرها بوسعها المنافسة، فروسيا متمكّنة عسكرياً لكنها ضعيفة اقتصادياً. كذلك فإن بعض بلدان أوروبا كألمانيا تمتلك قوة اقتصادية انما من دون قوة عسكرية، يكفي أن قوات أميركيّة لا تزال ترابط في المانيا منذ هزيمتها في الحرب العالمية الثانية، أما ما تبقى من اوروبا وخصوصاً فرنسا وانجلترا فهي من الدول المتوسطة بامتلاك السلاح والاقتصاد وتسير خلف الأميركيّين انتظاراً لفرص في إيران والخليج.

 

يتبين بذلك أن الصين هي المنافس الفعلي للأميركيّين لا سيما أنها قادرة على تجاوز الأميركيّين في منتصف العقد المقبل.

لمزيد من الإيضاح فإن التنين الأصفر ينقصه القليل من السلاح ليصبح نجماً عالمياً على مستوى منافسة الولايات المتحدة.

لا بدّ أولاً من الإشارة الى ان التدابير الأميركيّة الجديدة في السعودية على علاقة بالصين، لأن اي تقارب صيني – سعودي يعني فوراً تراجع الهيمنة الأميركيّة في العالم لأنه يستتبع فوراً انتقال علاقات البحرين والإمارات من الأميركيّين الى الصين، هذا بالإضافة الى إمكان حدوث تغيير في الكثير من بلدان العالم الإسلامي ربطاً بزعامة السعودية له.

هذه هي الأسباب العميقة التي فرضت على الأميركيّين العمل الدؤوب على الإمساك بالسعودية وبما أن محمد بن سلمان هو الركن الذي كان يعمل على بناء سعودية لها وزن إقليميّ وربما دولي، لذلك أطيح به بشكل دراماتيكيّ.

وهذا لا يعني أنه قاتل ولربما قتل العشرات في مسيرته في الحكم لتمهيد حكم سهل له. وهذا ما يحدث دائماً في بلدان على النمط الخليجيّ.

الملاحظ إذاً أن الولايات المتحدة تريد ضرب كل العقبات التي تؤدي الى خسارة الخليج وأوروبا في المعركة مع الصين، كذلك بالنسبة لجنوب شرق آسيا وكبار المستهلكين في استراليا وكندا والجزء غير المتطور من القارة الأوروبية.

وهذا ما يجعلهم متفوقين على الصين لعقود عدة ومبتعدين عن أوروبا لأجيال ولا يرون في روسيا منافساً جدياً لقرون عدة على الاقل.

المهم بالنسبة للأميركيّين أن يحتفظوا بأحاديتهم القطبية. هذا لا يستقيم إلا بسيطرتهم على أوروبا والخليج ويبدو أن هذين الأمرين قريبان من المنطق لحاجة هاتين المنطقتين اليهما. فالخليج يستشعر دائماً بخطر عراقي – يمني ويحاذر الوضع السوريّ متعاملاً مع إيران كخوافة تتسبب لها بالكثير من الإشكالات ليس فقط في حدودهما البحرية المشتركة بل في مناطق النفوذ الإيراني في لبنان والعراق وسورية ومناطق أخرى.

يبدو اذاً أن ما يحتاج اليه الأميركيّون في حربهم للأحادية القطبية هو الخليج واوروبا.

مع مدى اقتصادي لتصريف البضائع موجود في جنوب شرق آسيا وكندا وأستراليا والخليج واوروبا. وهذا يؤكد ان الاحادية القطبية مستقرة الى زمن طويل، فهل هذا ممكن؟

تعمل الصين بصمت، وتنتقل من مدينة الى اخرى لتروج لسلع رخيصة الثمن في عصر يسوده فقر شديد، يكفي أن دول الأرض تنحو الى الفقر، ما يعني حاجتها الى سلع رخيصة لم تعد موجودة إلا في الصين.

هناك اذاً صراع حاد أميركيّ صيني وسط مراقبة روسية أوروبية تنتظر النتائج لتحديد أدوارها، لكن المشكلة أن هذا الأمر مرتبط بالقدرة على الإنتاج، غير الموجود إلا في أميركا والصين وأوروبا انما من ذوي الجودة العالمية باعتبار أن الحد الأدنى للأجور فيها يفوق الأجور في العالم بأسره.

هناك صراع إذاً حاد أميركيّ – صيني لا ينفك يتطور وقد يبلغ أشده مع تركيز الصين على اختراق البلدان الضعيفة.

فهل بإمكانها تحقيق هذا الإنجاز؟ نعم بإمكان الصين اختراق بلدان العالم الثالث والقسم الفقير من أوروبا ومعظم بلدان جنوب شرق آسيا. وهذا امر قد يحتاج الى مدة طويلة من الزمن لكنه لن يكون بعيد المنال لأن العالم يتّجه الى مزيد من الفقر فيما السلعة الصينيّة جديرة بالاختراق والسيطرة.

بذلك يتركز الصراع الاقتصادي في العالم بين أميركا والصين وأوروبا فتغيب روسيا ومعها معظم البلدان الأخرى، لكنها تحافظ على تفوّقها العسكري الذي قد يزيد عن التفوّق العسكريّ الأميركيّ.

هناك ملاحظة هامة وهي أن روسيا تماماً كالأميركيّين لا تسمح للصين بامتلاك أسلحة نوعيّة، وهذه ليست مفاجأة لأن روسيا مهتمة بالصراع الاقتصادي الصيني الأميركيّ لكنها لا تقبل بتحول الصين قوة اقتصادية عسكرية يصبح بوسعها القفز فوق الأميركيّ، وبالتالي الروسي.

العالم اذاً أمام استمرار كبير للصراع الصيني الأميركيّ وميزته أنه من دون سلاح نوعي تدميري، فالصين تمتلك سلاحاً معتدلاً فهل تذهب نحو صناعة سلاح نوعيّ؟

من الصعوبة أن تذهب نحو هذه الطريقة، لأن غرقها في صناعة السلاح يعني ضرباً كاملاً للمستويات الاقتصادية التي أصبحت مقبولة لديها وتحطيماً للطبقات المتوسطة التي أصبحت تصارع مستويات الطبقات الأوروبية، ولماذا تذهب نحو صناعة السلاح والفارق بينها وبين الأميركيّين في هذا المجال كبير جداً ويحتاج الى بذل جهود صينيّة جبارة لإدراك التعادل.

يتبين بالاستنتاج ان روسيا ليست هدفاً أميركيّاً كاملاً، وان الصين هي الهدف الفعلي الذي يريد الأميركيّون قصّ رأسه لما يسببه لهم من منافسات فعلية في العقدين المقبلين.