تلفزيون «المستقبل» سيعود الى العمل. هذا ما تؤكّده أكثر من جهة مطلعة. تتعدّد الأسباب من دون رواية موحّدة، بينما تتقاطع المعلومات على الحديث عن «مساعدة» إماراتية وصلَت الى الرئيس سعد الحريري بهدف تفعيل «المحطة»

 

سينضمّ تلفزيون «المستقبل» مُجدداً إلى عالم الصباحات والمساءات الإخبارية، بعدَ تعليق عمله قبلَ أكثر مِن عام (في أيلول 2019)، حينَ وصلت «مالية» الرئيس سعد الحريري إلى وضع يستحيل معه استمرار العمل. غيرَ أن العودة ستكون محصورة بالبرامج والأخبار السياسية (اقتصر البث في الأشهر الماضية على برامج من الأرشيف والوثائقيات)، يعني أنه سيكون بمثابة شاشة «انتخابية».

هذا الخبر تداولته أكثر من جهة تقاطعت معلوماتها عند مساعدة إماراتية حظيَ بها رئيس تيار «المستقبل» أخيراً، بينما تقول مصادِر في التيار إن التمويل ذاتي يشارك فيه قطاع الاغتراب. وفيما يجري التداول بمعلومات عن أن التوظيف في المحطة بدأ فعلاً (لكون عدد كبير من العاملين فيها سابقاً انتقلوا الى مؤسسات أخرى) لا تزال الإجابة عن مستحقات هؤلاء الموظفين المتراكمة منذ عامين والديون المتراكمة على المحطة، وقد تجاوزت 30 مليون دولار، غير محسومة.

«خلال ثلاثة أشهر» هو التاريخ الذي يحدده العارفون بأمر عودة شاشة «المستقبل». وهم بالمناسبة قلّة داخِل التيار الذي ينفي عاملون في القطاع الإعلامي فيه علمهم بشيء من هذا القبيل! الرواية الداخلية التي يجري تسويقها تدّعي أن الانطلاقة الجديدة ستتمّ بتمويل ذاتيّ يشارك فيه عدد من المتمولين، من بينهم رئيس جمعية «بيروت للتنمية الاجتماعية» أحمد هاشمية، إضافة إلى مساهمة من قطاع الاغتراب الذي «يشترط تغيير الوزير السابق جمال الجراح الذي جرى تعيينه منسّقاً عاماً لشؤون الاغتراب، لأنه يستخدم منصبه لمصلحة انتخابية شخصية»، ومساهمة أخرى من «عائلة الشهيد ورفاقه الذين لهم أسهم في التلفزيون، إذ يجري العمل على إمكان تحميلهم جزءاً من المسؤولية وإطفاء الديون».

إلى اليوم، ليسَ هناك من مؤشرات تعزّز هذه الرواية، فهذه المساهمة كانَ بالإمكان أن تحصل في أي وقت سابِق، وتوفّر على المحطة وموظفيها كل ما مرّوا به. كما أنها رواية تبدو هزيلة أمام أخرى تتفرّع منها عدة أسباب وأهداف، تتحدث عن أموال إماراتية صبّت في «جيب» الحريري مؤخراً لإطلاق التلفزيون من جديد. فما الذي يدفع الإماراتيين الى «تغذية» رئيس الحكومة السابق فجأة، علماً بأن علاقته بدولة الإمارات ليسَت أفضل حالاً مما هي عليه مع المملكة العربية السعودية، ولم يكُن ثمّة ما يوحي بمتغيرات جديدة طرأت على هذه العلاقة، حتّى قيلَ أحياناً إن غضب محمد بن زايد على الحريري يفوق غضب محمد بن سلمان عليه؟

خفايا كثيرة لا تزال تُحيط بوضع الحريري مع هاتين الدولتين، منذ التسوية الرئاسية عام 2016، وتحتاج إلى فترة طويلة لتتكشف. لكن الأكيد أن «هناك تعديلاً طرأ على سياستهما في لبنان، وهذه السياسة ستتخذ منحى جديداً، ربطاً بانخراطهما في مشروع التطبيع مع العدو الإسرائيلي، مع ما يحتاج إليه من أصوات تطبيلية أو أفواه مكمّمة». في لبنان الأمر أقرب إلى الحالة الثانية، وخاصة أن الظروف فيه لا يُمكن أن تسمح بأن تنضمّ البلاد الى ركب المطبّعين أو المهلّلين للتطبيع، بمعزل عن وجود شريحة كبيرة لم تُعد ترى في «إسرائيل» عدواً لها. وهنا، تفيد مصادر واسعة الإطلاع بأن أمولاً إماراتية وصلت الى عدد من القنوات التلفزيونية للسكوت أو التغاضي عن توجه دول وأطراف أخرى للتطبيع، وهو بالفعل ما حصل، بحيث كانَ غياب الموقف واضحاً، حتى إن بعض هذه القنوات زاد من نسبة الضيوف المؤيدين لمحور التطبيع». ومن ضمن هذه الأموال، تقول المصادر إنه «جرى تخصيص مبلغ لتلفزيون المستقبل، لكونه واحداً من الشاشات اللبنانية، وقد وصل اليه ما وصلَ إلى غيره».

سيعاود تلفزيون «المستقبل» عمله في غضون ثلاثة أشهر

 

لكن هذا السبب يبدو غير مكتمل لعدة اعتبارات:

أولاً، أن شاشة «المستقبل» لم تكُن مفعّلة حتى تمثّل صوتاً معارضاً.

ثانياً، حتى لو كانتَ حاضرة، فلَن تتجرأ على إطلاق أي موقف لا يتناسب وسياسة الخليج، حتّى «يُشترى» صوتها.

إذاً «هناك مسألة ثانية تقِف خلفَ هذا التمويل». يذهب أصحاب هذه المعلومة أبعد من ذلِك، فيقولون إن «أحد النواب السابقين في تيار المستقبل، الذي تحوّل الى مجرد مستشار لجهة أمنية في الإمارات، لعب دوراً في تأمين هذا التمويل»، ملمّحين إلى أنه «قد لا يكون من الدولة مباشرة، بل من طرف معيّن». أما «وسيلته للإقناع فكانت التحذير من توسّع الدور التركي في لبنان، مع كل ما يعنيه هذا الأمر للإماراتيين»، على اعتبار أن «غياب الإمارات عن الساحة اللبنانية سيُخليها للأتراك، وأن الحريري لا يزال الجهة الأكثر تأثيراً في البيئة السنية والأقدر على محاربة هذا التمدد».

أما الأمر الآخر الذي يتحدّث عنه هؤلاء فمرتبط بملف الترسيم البحري، إذ كانَت لافتة مسارعة الحريري إلى الإعلان عن نفسه كمرشّح لرئاسة الحكومة في موازاة انطلاق مسار المفاوضات. وكانَ لافتاً أكثر اندفاع الحريري ومُضّيه في هذا الترشّح متجاهلاً الكثير من العقبات التي وقفَ عندها سابقاً. لم يهتمّ لعدم تغطيته من قبل أكبر تكتلين مسيحيَّين. لم يأبه لتأجيل الاستشارات النيابية. لم يتراجع عن إصراره على تجاهل رئيس تكتل «لبنان القوي» جبران باسيل، كأن هناك رافعة لم تتظّهر بعد، قد تكون عبارة عن «غطاء إماراتي» يروّج مقرّبون من الحريري أنه «مؤمّن»!

طرأ تعديل على سياسة الإمارات في لبنان ربطاً بالتطبيع مع العدو وبمواجهة تركيا

صارَ مفهوماً أن الحريري يتمّسك بالعودة الى السراي، كي يقود مرحلة صندوق النقد الدولي و«سيدر». لكن، لا يغيب عن برنامجه أنه يريد أيضاً أن يكون رئيس حكومة الترسيم التي ستكون شريكة في القرار إلى جانب رئاسة الجمهورية، أو يُراد له أن يكون كذلك. هذا الترسيم الذي يعني في شقّه الأساسي بالنسبة إلى الولايات المتحدة الأميركية و«إسرائيل» إرساء الاستقرار على الحدود، ويحاول محورهما في المنطقة والمتحدثون باسم هذا المحور داخل لبنان تصويره كأنه اعتراف لبناني بالكيان الصهيوني، وإشارة لبنانية إيجابية باتجاه التطبيع. وليسَ من الطبيعي أن يكون موقع الرئاسة الثالثة خالياً من صاحب القرار، والذي يُفضّل بالنسبة الى خصوم المقاومة أن لا يشغله «حسان دياب جديد». وبذلك، تصبح إعادة إحياء القناة مفهومة، على اعتبار أنها ستكون صوتاً إضافياً يتعالى، سائلاً عن الغاية من التمسّك بالسلاح والمقاومة ما دام اتفاق الترسيم قد وقع.

(الاخبار)