يدور هذه الأيام سجال عام في لبنان بشأن ماهية اتفاق الإطار الذي تمّ التوصل إليه للبدء في مفاوضات غير مباشرة بين لبنان وكيان العدو الصهيوني، والذي توصل إليه رئيس مجلس النواب نبيه بري، مع الجانب الأميركي بعد نحو عشر سنوات من اللقاءات بين الطرفين.

 

البعض يعتبر أنّ هناك تنازلاً في هذا الاتفاق قد تمّ لمصلحة العدو الصهيوني، لهذا راح يشكك بموقف الرئيس بري واستطراداً حليفه حزب الله، في محاولة واضحة لتأليب جمهور المقاومة ضدّهما والقول إنهما فرّطا بالثوابت الوطنية والقومية، وقدّما التنازلات منذ الآن، واعترفا بوجود كيان العدو لمجرد قبول التفاوض لترسيم الحدود. لكن هل هذا الكلام صحيح، أم لا يمتّ بصلة لما حصل فعلا؟ وهل يستهدف تحريف الحقائق الانتقاص من الإنجاز الذي تمّ التوصل إليه؟

ما هي حقيقة ما حصل، وطبيعة الاتفاق الإطار الذي تمّ التوصل إليه لخوض المفاوضات غير المباشرة مع كيان العدو لترسيم الحدود البرية والبحرية؟

أولا، كان كيان العدو الصهيوني، ومن خلفه الولايات المتحدة الأميركية، يتمنى أن تتحوّل المفاوضات غير المباشرة، التي ستبدأ قريباً في الناقورة تحت راية الأمم المتحدة، إلى مفاوضات مباشرة، وبالتالي التحاق لبنان بطابور الأنظمة المعترفة بوجود كيان العدو الصهيوني، وتوقيع اتفاق صلح معه ينهي حالة العداء القائمة، ويقود إلى إقامة علاقات رسمية في شتى المجالات بين لبنان وكيان العدو، على حساب القضية المركزية، قضية فلسطين، وحق الفلسطينيين بالعودة الى أرضهم وديارهم التي هجروا منها عام ١٩٤٨ بقوة الإرهاب واحتلال العصابات الصهيونية التي غزت فلسطين في بدايات القرن العشرين بدعم من الاستعمارين البريطاني والفرنسي..

لكن التمني شيء والواقع شيء آخر، فلبنان الذي هزم القوة الصهيونية وأجبرها على الرحيل عام ٢٠٠٠ مهزومة مدحورة عن معظم الأراضي اللبنانية في الجنوب والبقاع الغربي تحت ضربات المقاومة التي حولت احتلال جيش العدو إلى جحيم لم يعد يستطيع احتماله.

لبنان هذا لم يعد لقمة سائغة يلتهمها العدو ساعة يشاء، أو بإمكانه إجباره على الانضمام إلى سرب الأنظمة العربية التي أعلنت استسلامها للمشيئة الأميركية الصهيونية. لبنان اليوم أصبح أكثر قوة وقدرة على إحباط المخططات الصهيونية ورفض كلّ محاولات إخضاعه لشروط واشنطن وتل أبيب، ولهذا أخفقت محاولات المسؤولين الأميركيين في دفع لبنان إلى قبول التفاوض المباشر مع كيان العدو حول ترسيم الحدود البحرية والبرية، لأنّ ذلك لو حصل كان سيشكل اعترافاً بكيان العدو واستسلاماً له وإجهاضاً لانتصارات المقاومة، وهو أمر كان من الطبيعي أن لا يقبل به لبنان المقاوم الذي أسقط اتفاق الذل والعار اتفاق 17 أيار وأنهى محاولات جعله ثاني بلد عربي يوقع اتفاقية صلح مع العدو بعد مصر. كما أسقط أحلام القادة الصهاينة بتحويل لبنان إلى محمية صهيونية، وإلى جسر لانفتاح كيان العدو على المشرق العربي..

ثانيا، الواضح أنّ معركة ترسيم الحدود مع فلسطين المحتلة ليست منفصلة عن الحرب الأميركية ضدّ المقاومة وحلفائها تنخرط فيها بعض القوى والمجموعات اللبنانية المرتبطة بالمشروع الأميركي، وتعمل على تمكين أعداء لبنان من تحقيق أهدافهم في العمل على إخضاعه للهيمنة الأميركية الصهيونية، وأنّ لهذه القوى باع طويل في التعامل مع العدو الصهيوني خلال وبعد الحرب الأهلية. إلا أنّ هذه القوى تدرك جيداً أنّ ذلك أمر مستحيل التحقق في ظلّ وجود المقاومة المنتصرة وسلاحها المتطور والنوعي الذي فرض معادلات الردع في الصراع مع العدو الصهيوني، ولهذا انخرطت هذه الأطراف اللبنانية في المخطط الأميركي الصهيوني للنيل من سلاح المقاومة وحياكة المؤامرات والفتن لتشويه صورة وسمعة المقاومة والَزعم أنّ سلاحها بات خطراً على لبنان ويكبل حرية اللبنانيين وأنه سلاح غير شرعي وخارج سلطة الدولة.

بلغت الحرب ضدّ المقاومة وسلاحها ذروتها مع اغتيال رئيس الحكومة الأسبق رفيق الحريري ومن ثم شن حرب 2006 لسحق المقاومة والقضاء عليها، لكنها فشلت وتحولت إلى هزيمة لجيش العدو الصهيوني، فكانت الحرب الإرهابية بقيادة الولايات المتحدة التي حشدت كلّ جيوش الإرهابيين من عشرات الدول في العالم لإسقاط ظهير المقاومة وسندها، الدولة الوطنية السورية بقيادة الرئيس المقاوم بشار الأسد، غير أنهم فشلوا أيضاً في تحقيق غايتهم وباتت المقاومة وحلفها أكثر قوة وقدرة مما كانا عليه قبل هذه الحرب. لهذا لجأت واشنطن إلى تصعيد حربها الاقتصادية الإرهابية لحصار جميع أطراف حلف المقاومة، لإضعاف قدراتهم ومحاولة التأثير على التفاف الناس من حولهم واستطراداً النيل من معنوياتهم وصولا إلى إنهاكهم وجعلهم يتخلون عن المقاومة والتمسك بموقفهم الرافض والمقاوم للشروط والإملاءات الأميركية التي تطرحها واشنطن مقابل وقف الحرب الإرهابية وإنهاء الحصار الاقتصادي والمالي.

كان من الطبيعي أن ترفض المقاومة وحلفها الوطني في لبنان، على غرار كلّ أطراف الحلف المقاوم في المنطقة، هذا المخطط الأميركي، وأن تبني خططها على هذا الأساس لإسقاط أهداف هذه الحرب الاقتصادية المالية وأن تحافظ على حقوق لبنان وتحمي ثرواته في مياهه الإقليمية من الأطماع الصهيونية، كما أسقطت أهداف حرب تموز عام 2006 ومنعت العدو من تحقيقها، على أن الوسائل لمجابهة الحرب الاقتصادية المالية وإحباط أهدافها، مختلفة عن وسائل المقاومة العسكرية، وهو ما شدد عليه قائد المقاومة السيد حسن نصرالله في إطلالاته العديدة بعد ١٧ تشرين الثاني عام 2019، حيث ركز على مواجهة حرب التجويع الأميركية لفرض الاستسلام علينا، مؤكداً أننا لن نركع أو نخضع، وأننا كما خضنا الجهاد العسكري ضدّ الاحتلال الصهيوني وانتصرنا، سوف نخوض الجهاد الاقتصادي وننتصر..

ثالثا، كان واضحاً انّ أحد أهمّ أهداف الحرب الأميركية الاقتصادية المالية هو الضغط على لبنان لجعله يسلم بشروط العدو الصهيوني للدخول في مفاوضات مباشرة لترسيم الحدود البحرية وعلى قاعدة التنازل للعدو عن جزء من حقوق لبنان في مياهه الإقليمية الخالصة وتحديداً في البلوك رقم 9 المحاذي للمياه الإقليمية لفلسطين المحتلة، حيث تشير المعلومات إلى أن هناك كميات كبيرة من الغاز في هذا البلوك، وكان الموفدون الأميركيون الذين تولّوا التفاوض في هذا الملف مع الرئيس نبيه بري يحاولون تسويق هدف الحكومة الصهيونية بالاستيلاء على نحو 360 كلم مربع، من أصل 860 كلم مربع، وهو ما رفضه الرئيس بري الذي أصرّ أيضاً على عدم الدخول في مفاوضات مباشرة، وأصرّ على التفاوض غير المباشر وأن يشمل تحديد الحدود البحرية والبرية في آن، انطلاقاً من أن نقطة الحدود البرية في رأس الناقورة، العائدة إلى لبنان والمثبتة أصلاً وفق خط الهدنة، هي المنطلق لرسم خط الحدود الذي يضمن حصول لبنان على كامل حصته في مياهه الإقليمية ومساحة ال 860 كلم مربع في البلوك 9.

وكانت النتيجة، كما بات معروفاً، هي رضوخ الجانبين الأميركي والصهيوني لهذه الشروط كأساس لخوض المفاوضات غير المباشرة للاتفاق على ترسيم الحدود بين لبنان وفلسطين المحتلة

من هنا فإنّ هذه الحصيلة التي تفرض قواعد التفاوض غير المباشر إنما تشكل انتصاراً لوجهة النظر اللبنانية، وفشلاً أميركياً صهيونياً في محاولة فرض هذه القواعد..

رابعاً، انطلاقاً مما تقدّم فإن المطلوب من المفاوض اللبناني بعد الآن، أن يدرك أنه ذاهب إلى معركة شرسة لتثبيت حقوق لبنان ومنع العدو من تحقيق ما عجز عن بلوغه حتى الآن وأنّ الأميركي سيواصل ضغوطه على لبنان لدعم موقف العدو الصهيوني. هذا الأمر يستدعي بالضرورة الاستفادة من تجربة المفاوضات غير المباشرة التي خاضها لبنان في عهد الرئيس المقاوم العماد إميل لحود، لتحديد الخط الأزرق، والتي تمكن فيها المفاوض اللبناني، برئاسة العميد أمين حطيط من استعادة أمتار من الأرض، والتحفظ على العديد من النقاط إلى جانب تثبيت حقوق لبنان في أراضيه المحتلة، في تلال كفرشوبا وبلدة الغجر ومزارع شبعا، واعتبار الخط الأزرق خطاً مؤقتاً، وليس نهائياً للحدود بين لبنان وفلسطين المحتلة

فهل شكلت مثل هذه المفاوضات غير المباشرة تنازلاً من لبنان، أم كانت تأكيداً على حقوقه وتمسكاً بثوابته ومواقفه، مع عدم الانجرار إلى فخ إقامة أيّ نوع من العلاقات مع العدو؟ وهل شكلت هذه المفاوضات اعترافاً بكيان الاحتلال؟

من الواضح أنه لم يحصل أيّ شيء من هذا القبيل، فلماذا إذا يجري اليوم القول إنّ الاتفاق على الدخول في مفاوضات غير مباشرة جديدة مع العدو الصهيوني يعتبر تراجعا وليس إنجازاً للبنان، وبالتالي لا يُراد الإقرار من قبل الفريق الموالي لواشنطن بأنّ الأخيرة فشلت في زحزحة الرئيس بري عن موقفه الرافض لأيّ تنازل عن حقوق لبنان، أو الرافض بشدة القبول بأيّ مفاوضات مباشرة مع العدو، أو القبول بأيّ إجراء، ولو كان بالشكل، يمكن أن يستفيد منه العدو للقول بأنه حقق مكسباً؟

إنّ الحملة التي أعقبت إعلان الرئيس بري عن الاتفاق الإطار، لإطلاق المفاوضات غير المباشرة، إنما تكشف حجم خيبة وإحباط وانزعاج الفريق التابع لواشنطن، من فشل محاولات فرض الشروط الأميركية لتمرير اتفاق ترسيم الحدود يحقق الأطماع والأهداف الصهيونية، ما يدلّ أيضاً على فشل خطة الانقلاب الأميركية لتغيير المعادلة السياسية الداخلية والإمساك بناصية قرار السلطة التنفيذية.

من الواضح أنّ الفريق الوطني كسب الجولة الأولى في معركة إحباط الخطة الأميركية لإخضاع لبنان للشروط الصهيونية، وهو سيكمل هذه المعركة، بنفس القوة والعزيمة، لتثبيت كامل حقوق لبنان في مياهه الإقليمية وأراضيه المحتلة وانتزاعها، من دون أيّ تخلّ عن ثوابت موقفه القومي بما خصّ الصراع مع العدو الصهيوني.

(البناء)