Get Adobe Flash player

لم يكن التدخل التركي المباشر في الحرب الدائرة بين أرمينيا وأذربيجان على منطقة ناغورني قرة باخ، ينطلق فقط من حرص أنقرة على الجذور التركية للعرق الأذري، بمقدار ما يأخذ بالاعتبار في الدرجة الأولى المصالح الاقتصادية، والأمن القومي، وتمدّد النفوذ التركي في منطقة القوقاز، وصولاً إلى جمهوريات آسيا الوسطى، وما تحويه من ثروات نفطية وغازية كبيرة، تجعل من الأراضي التركية حاجة ضرورية، لمرور أنابيب الطاقة الى أوروبا.

 

لا يمكن حصر الصراع الدائر في القوقاز اليوم، بين أرمينيا وأذربيجان على مرتفعات ناغورني قرة باخ، على اعتبار أنّ أكثر من جهة دولية في المنطقة وخارجها، ترى نفسها معنية مباشرة في ما يحصل من تطورات ساخنة على الساحة القوقازية، ما يحتم عليها ان تتواجد بشكل مباشر أو غير مباشر، وهي تتابع المعارك الدائرة.

دول عديدة معنية بالأحداث الجارية، فهناك روسيا، والولايات المتحدة، وإيران، وتركيا، و«إسرائيل»، والاتحاد الأوروبي، لا سيما فرنسا بشكل خاص.

إنّ تقارب «إسرائيل» وأذربيجان، بدأ يثير قلق إيران، منذ اعتراف «إسرائيل» بأذربيجان، فور استقلالها عن الاتحاد السوفياتي عام 1991، وبعد ذلك كثرت الزيارات الرسمية المتبادلة، وتعززت العلاقات الاقتصادية والعسكرية والاستخبارية بين البلدين، بحيث انّ أذربيجان كانت تزوّد «إسرائيل» بأربعين في المائة من احتياجاتها النفطية، لتصبح سادس مستورد للنفط الأذربيجاني، الذي يصل اليها عبر خط أنابيب الى تركيا، ومنها يشحن الى المرافئ في فلسطين المحتلة.

كما أنّ إحدى الشركات الوطنية الأذربيجانية للتنقيب عن النفط، شاركت في أعمال التنقيب، قبالة السواحل الفلسطينية.

تجدر الإشارة أيضاً، إلى وجود جالية يهودية في أذربيجان يقدّر عددها بين 25 و30 ألف بهودي، وإلى أنّ أذربيجان، أصبحت من أبرز المستهلكين الرئيسيين للأسلحة «الإسرائيلية»، والمستفيدين من الخبرات العسكرية «الإسرائيلية»، مع تواجد عناصر وشبكات استخبارية «إسرائيلية» فاعلة على الأرض، حيث ترصد وتتجسّس من هناك على إيران، وتعمل على زعزعة الاستقرار فيها، من خلال إثارة القوميات، وتحريك ودعم عناصر مناوئة للسلطة المركزية.

مواقف أذربيجان تجاه إيران، لا تدعو للارتياح، خاصة أنّ العلاقات الثنائية شابها التوتر والقلق والهواجس في مرات عدة. فالعاصمة الأذربيجانية باكو، كانت تتعمّد استبعاد إيران عن المشاركة في مؤتمرات الشتات التي كانت تنظمها وترعاها. وهي أيضاً عمدت إلى إعطاء إشارات سلبية من آن إلى آخر، تتعلق بجنوبي أذربيجان التابع لإيران، لتذكير طهران، أنّ في جعبة باكو ما يمكّنها ان تستخدمه لزعزعة امن الجمهورية الإسلامية. التوتر في العلاقات يعود الى ما قبل الاتفاق الذي وقع عام ٢٠١٨ على اقتسام بحر قزوين بين الدول الخمس المطلة عليه وهي: كازاخستان، تركمانستان، إيران، أذربيجان، وروسيا. ففي عام 2001 قامت القطع البحرية الإيرانية باعتراض سفن أذربيجانية تقوم بالتنقيب عن النفط في منطقة متنازع عليها. كان ردّ باكو، أن نشرت كتيّباً يتضمّن خريطة لأذربيجان الكبرى، بما فيها منطقة أذربيجان الواقعة شمالي غربي إيران التابعة لها.

لم تكتف باكو بهذا القدر، بل سمحت عام 2013 لما يسمّى «بحركة التحرير الوطني لجنوب أذربيجان»، بعقد مؤتمر على أرضها، كان يهدف إلى تسليط الضوء على الأحداث والتوترات في إيران.

 الجدير بالذكر، انه حتى عام 1813, كانت الأراضي الإيرانية تشمل أذربيجان، أرمينيا، ونخجوان، وجورجيا. إلا أنه وبعد المعارك الحربية التي نشبت بين روسيا وإيران، وانهزام هذه الأخيرة في مواقع عديدة وتراجع قواتها، تمّ بين الطرفين بعد ذلك، توقيع معاهدة كلستان عام 1813، التي نصّت على أن تحتفظ كلّ من إيران وروسيا، بالأراضي التي تتواجد عليها قواتها العسكرية. وبموجب هذه المعاهدة، تم سلخ أذربيجان وناغورني قرة باخ عن الأراضي الإيرانية. كما منعت المعاهدة أيضاً تواجد القطع البحرية الإيرانية في بحر قزوين، ليقتصر الوجود فيه حصرياً على روسيا.

لم تتوقف الأمور عند المعاهدة، بل استمرّ التراجع العسكري الإيراني ليفسح المجال عام 1828، أمام معاهدة تركمنشهاي الجديدة بين روسيا وإيران، لتسلخ روسيا بموجبها نخجوان وأرمينيا عن الأراضي الإيرانية، ما شكل ضربة قوية لإيران، من خلال انتزاع أجزاء واسعة من الجغرافيا الإيرانية. هذه الخسارة الفادحة عبّر عنها المستشار الفرنسي، والطبيب الخاص لناصر الدين شاه، Feuvrier  فوفريي بقوله في كتابه: مسألة الشرق، أن سلخ نخجوان وأرمينيا عن إيران شكّل خسارة كبيرة لها، وهي بمثابة الألزاس واللورين لفرنسا. وفي نفس اليوم من توقيع معاهدة كرمنشهاي، وقعت اتفاقية تجارية بين البلدين، أعطت لروسيا امتيازات هائلة على حساب السيادة الإيرانية، والاقتصاد وثروات البلاد، وحقوق الشعب. وهي التي عرفت بالكابيتلاسيون (Capitulations).

ما ينطبق على أرمينيا بالنسبة لإيران في القوقاز، لا ينطبق على غيرها. فالعلاقات القوية وصلت الى مرحلة الشراكة بين طهران ويريفان. فإيران هي المتنفس لأرمينيا، والمزوِّدة لها بالطاقة، كما أنّ طهران ترى في أرمينيا الممرّ الذي يمكن من خلاله ان تمرّ أنابيب الطاقة عبرها الى روسيا ومنها الى أوروبا. كما انّ أرمينيا التي تتزوّد بالنفط والغاز من إيران، ستجد نفسها أكثر احتياجاً الى الطاقة الإيرانية في المستقبل القريب، كون أرمينيا ستغلق محطات الطاقة الذرية المنتجة للكهرباء في غضون عشر سنوات.

لا تنفك المحاولات، للجهات المعادية العمل على تطويق إيران ومحاصرتها وشلّ دورها، والحدّ من قدرات تواصلها، وإبعاد أرمينيا عنها، تمكيناً لها من احتواء هذه الأخيرة، وهي المحاصرة من قبل تركيا وأذربيجان.

لقد سبق للمستشار السابق لوزير الخارجية الأميركية لشؤون القوميات في الاتحاد السوفياتي، بول غوبل، ان قدم خطة تقضي بتبادل الأراضي بين أرمينيا وأذربيجان. فتعطى أرمينيا جزءاً من قرة باخ، فيما تحتفظ أذربيجان بالمنطقة المشرفة على منابع الأنهار، وعلى المناطق ذات الأغلبية الأذرية. هذا المشروع يرمي الى إيجاد حدود مشتركة بين أذربيجان ونخجوان، الجمهورية الأذربيجانية ذات الحكم الذاتي، ومن ثم يصبح لتركيا حدود مشتركة مع كامل أذربيجان الموحدة جغرافيا. وبموجب خطة بول غوبل فإنّ أرمينيا ستفقد حدودها الكاملة مع إيران، ليجعل أرمينيا في ما بعد، بين فكيّ كماشة، أذربيجان من الشرق والجنوب وتركيا من الغرب، ما سيؤثر مستقبلاً ليس فقط على خطط إيران لجهة مرور أنابيب الطاقة باتجاه الشمال وتصديرها وصولاً الى اوروبا، وإنما سيدفع بأذربيجان لفتح شهيتها وتحريك الأذريين في شمال غرب إيران، وحثهم على الالتحاق بأذربيجان الكبرى. وهذا ما تلوّح به باكو ضمناً، من انّ في جعبتها ما يمكّنها به تهديد أمن إيران وزعزعة استقرارها.

«إسرائيل» ترصد إيران من أذربيجان استخبارياً، ولوجستياً، وتدعم الحركات المناوئة للجمهورية الإسلامية الإيرانية، أكان ذلك في الداخل الإيراني أو من الداخل الأذربيجاني، وهذا ما تعيه جيدا طهران، وتدرك أبعاده، وخلفياته، وأخطاره، وتهديده للأمن القومي الإيراني، بحيث تكون أذربيجان في خدمة من يريد ان يبتزّ ويضغط على طهران لانتزاع مواقف منها في أكثر من مكان تتواجد فيه.

صحيح انّ الأرمينيين كانوا يحظون دائماً بعطف ودعم من قبل الغرب، الا انّ ظهور النفط بكميات كبيرة في أذربيجان، جعل من الدول الغربية ان تأخذ ذلك بالاعتبار، إذ انّ مصالحها الاقتصادية والمالية والاستراتيجية، فوق كلّ اعتبار، فأمام المصالح والثروات تتراجع «مشاعر» و«عواطف» ودعم الغرب لأرمينيا، وإنْ لم يتخلّ عنها بالكامل، ويظلّ يحتفظ برصيد لها.

ومن جهة أخرى، تريد تركيا من خلال دعمها العسكري لأذربيجان وجلب المقاتلين من ليبيا وسورية الذين حاربوا في صفوف التنظيمات الإرهابية، أن تغيّر المعادلات الجغرافية والعسكرية على الأرض، وتجد لها نفوذاً واسعاً مؤثراً وفاعلاً، يسمح لها في المستقبل فرض ضغوط على روسيا الداعمة لأرمينيا، وحملها على المساومة، لانتزاع مواقف منها، مؤيدة لسياساتها التي تمارسها، وإجراءاتها التي تتخذها، أكان ذلك في سورية أم في ليبيا أم غيرها.

أما فرنسا التي تقود سياسات الاتحاد الأوروبي في الخارج، وهي أبرز وجوه دوله، تتنافس مع تركيا في أماكن عديدة: منها سورية، ليبيا، مالي، وأرمينيا. وما وقوف فرنسا بجانب أرمينيا في الحرب الدائرة اليوم بين باكو ويريفان إلا ليُبيّن مدى التوتر الحاصل بين فرنسا وتركيا، وتطلع هذه الأخيرة إلى خارج حدودها.

فهل الصراع في القوقاز سيظلّ محصوراً في إطاره الجغرافي الضيّق كما هو الآن لفرض معادلات جغرافية جديدة تكون بحكم الأمر الواقع، ام ان مصالح الدول المتنافسة ستدفعها إلى تأجيج الصراع، وتغيير الخارطة الجغرافية، ودفع الأوضاع في الاتجاه المعاكس، مطيحاً بأمن القوقاز، باستقرار دول منطقة وأمنها القومي، ووحدة أراضيها وسيادتها.

الأيام المقبلة ستبيّن ما إذا كان ميدان القتال سيظلّ محصورا بالثلاثي: أذربيجان ـ أرمينيا ـ تركيا، أم أنه قابل لاستيعاب دول أخرى للمشاركة في ساحة الحرب؟!

قد تغيّر المعارك الدائرة بين أرمينيا وأذربيجان، وجه الجغرافيا والحدود لكلتا الدولتين، الا أنها لن تنهي حالة العداء والكراهية المستحكمة بين البلدين، ليظلّ السلام والاستقرار معلقاً حتى إشعار آخر، وإلى أن يتوصل الطرفان الى إيجاد حلّ عادل للأزمة، تنهي صراعاً دموياً دام لعقود، حصد عشرات الآلاف من الضحايا، ودمّر مدناً وقرى وبناها التحتية، وما زال مستمراً…!

*وزير الخارجية والمغتربين الأسبق

(البناء)