Get Adobe Flash player

في الجزء السابق شرحنا عوامل الاضطراب السياسي التي تشهده الولايات المتحدة عشية الانتخابات المقبلة في تشرين الثاني/نوفمبر 2020. وحالة الاضطراب تتفاقم حيث التشنّج الذي يسود الفريقين المتنافسين ينذر بعواقب وخيمة قد تدمّر بنية النظام وحتى أسس الكيان الأميركي. قد يعتبر البعض أن هذا الكلام مبالَغ به، ولكن هذا ما نقرأه في العديد من المواقع الإلكترونية ومن آراء يبديها مسؤولون سابقون وباحثون مرموقون. والخطورة تكمن في السيناريوهات المرتقبة لليوم التالي بعد الانتخابات.

 

أعرب الرئيس الأميركي دونالد ترامب في أكثر من مناسبة كما أعرب مسؤولون في الحزب الديمقراطي عن عدم تقبّله (تقبّلهم!) لنتائج الانتخابات إذا أدت إلى هزيمته أو هزيمتهم! قد يكون هذا الكلام نوعاً من التهويل لشدّ عصب المناصرين، لكن هناك سيناريوات حقيقية فد تفرض نفسها ليلة الانتخاب وتتراوح في الحد الأدنى بين عدم اعلان من هو الفائز بسبب التأخير في فرز أصوات الناخبين الذين اختاروا الاقتراع عبر البريد وبين حد أقصى يرفض النتائج ويطعن بها في المحاكم الاتحادية ما يكرّس الفراغ في رأس الهرم. هذا من باب الواقع الذي يحظى بشبه إجماع عند مختلف المراقبين والمحلّلين عند الطرفين المتنافسين. فما هي السيناريوات الممكنة في هذه الحال؟

السيناريو الأول هو وجود فراغ في رأس الهرم السياسي. لم يلحظ الدستور الأميركي لآلية لفض نوع كهذا من النزاع لأن الآباء المؤسسين لم يعتقدوا في يوم من الأيام أن الجمهورية الفتية قد تصل إلى هذا المأزق. الدستور الأميركي حدّد آلية لانتقال الحكم في حال حدوث فراغ مفاجئ في رأس السلطة. فنائب الرئيس يتولّى زمام الأمور حتى نهاية الولايات وتقام عندئذ انتخابات. في حال حدوث فراغ في الرئاسة ونيابة الرئاسة يلحظ الدستور أن رئيس مجلس الممثلين يتولّى زمام الأمور. في حال شغور أو غياب ذلك يتولى رئيس مجلس الشيوخ الموقت (رئيس الأكثرية) لأن دستورياً نائب رئيس الجمهورية هو رئيس مجلس الشيوخ الذي يفصل في التصويت في حال تعادل الأصوات في أي ملف أو قضية مطروحة. وفي حال غياب وأو شغور ذلك المنصب يتولى وزير الخارجية المسؤولية وفي حال غياب وزير الخارجية وهناك سلّم من التراتبية بين الوزراء في تولّي المسؤولية في حال الشغور. لكن جميع تلك الإجراءات تفترض أن الكونغرس بغرفتيه أي مجلس الشيوخ ومجلس الممثلين قائم. لكن في الحالة التي ستحصل فإن إمكانية تولّي رئيس مجلس الممثلين، في هذه الحال نانسي بيلوسي، قد لا تحصل لأن الطعن أو الطعون في نتائج الانتخابات قد لا تنحصر في الرئاسة بل أيضاً في مجلس الممثلين ومجلس الشيوخ. حال التشنج التي وصلت إليه الولايات المتحدة تجعل من هذا الاحتمال إمكانية حقيقية. أي بمعنى آخر هناك احتمال حقيقي ومرتقب بأن يحصل الفراغ بسبب عدم حسم أو قبول نتائج الانتخابات.

في السيناريو الثاني، ينحصر التنازع فقط حول منصب الرئاسة ويتولّى عندئذ رئيس مجلس الممثلين الرئاسة الموقتة حتى تحسم المحكمة الدستورية العليا نتائج الانتخاب. المحكمة العليا هي مكوّنة اليوم من خمسة محافظين وأربعة ليبراليين في ميولهم الفكرية. ليسوا منتسبين إلى أي حزب لكن من الواضح أن الميل المحافظ يسيطر عموماً على قرارات وأحكام المحكمة. لكن حكمت المحكمة مؤخراً في قضية مثيرة للجدل حول المتحوّلين جنسياً لصالح الموقف الليبرالي ما أدهش الجميع. الصوت المرجّح كان صوت رئيس المحكمة الذي يُعرف عنه أنه محافظ. وهناك تساؤلات حول ذلك “التصويت” الذي يؤكّد على “استقلالية” القرار بينما البعض يعتبر أن ذلك التصويت هو لمنع الاتهام بالانحياز السياسي في فصل قضية الطعن في الانتخابات الرئاسية. إذاً، في مطلق الأحوال يعود إلى المحكمة الدستورية مسؤولية الفصل. لكن ليس هناك من ضمانة أن المتنافسين سيقبلون بالحكم ونعود عند ذلك الحين إلى السيناريو الأول.

السيناريو الثالث، وهو الأكثر خطورة، هو عدم تقبّل أي من الفريقين النتائج مهما كانت المرجعيات. ماذا في تلك الحال؟ هذا يعني أزمة دستورية، فأزمة نظام، وفي آخر المطاف أزمة كيان. في هذا السياق نشير إلى تحذير بول كريغ روبرتس، مساعد وزير الخزانة السابق في عهد رونالد ريغان، وهو اقتصادي معروف له مؤلفات عدّة وصاحب مدوّنة واسعة الانتشار. تحذير روبرتس واضح: الولايات المتحدة لديها شهران قبل أن تنهار بسبب الفراغ الذي سيحصل بسبب عدم قبول نتائج الانتخابات. كاتب آخر مات اهرهت يذهب أبعد من ذلك ويشير إلى سيناريوات حرب (war games) في عدد من مراكز الأبحاث حول احتمالات انقلاب عسكري ضد الرئيس الأميركي في حال رفض خروجه من البيت الأبيض.

مركز “مشروع التماسك الانتقاليّ” (Transition Integrity Project) مركز أبحاث مستحدث (2019) وتموّله وفقاً للباحثة ويتني واب مجموعة مكوّنة من كلنتون، جورج سوروس، وعدد من رؤساء الشركات الكبرى كفايس بوك وميكروسوفت وغوغل ولينكدين واي باي على سبيل المثال. واجهة ذلك المركز روزا بروكس محاضرة في جامعة جورج تاون والعقيد لورانس ويلكرسون المدير السابق لكولن بأول عندما كان وزيراً للخارجية. أما المساهمون في البحوث لذلك المركز فيه ثلّة من كبار المحافظين الجدد كوليام كريستول ودافيد فروم. أنشئ المركز لمواجهة التحدّيات التي فرضتها الثورة التكنولوجية في التواصل وتأثيرها على المجتمعات. لكن بالفعل أنشئ لغرض واحد وهو لخلق مناخات ثورية ملوّنة ولتهيئة الأجواء لانقلاب عسكري ضد ترامب. وقد تمّت “تجربة” ذلك المشروع عبر نشاط أحد العاملين بها في حملة لإقصاء برني سندرز من الفوز في التسمية الترشيح عن الحزب الديمقراطي. المسؤول عن تلك الحملة الناجحة وفقاً لويتني واب هو ريد هوفمان. كما أن المموّلين الآخرين كاريك شميدت رئيس شركة غوغل وبيار اوميدفار رئيس شركة أي باي من المقرّبين جدّا لبيل وهيلاري كلنتون وكانوا أيضاً وراء الإطاحة ببرني سندرز لمصلحة جوزيف بايدن. والآن يستعدّون للإطاحة بدونالد ترامب.

ما يعزّز فرص ذلك المشروع هو العلاقة الوطيدة بين القيادات العسكرية العليا في البنتاغون ومجمع المؤسسات التابعة للمجمع العسكري الصناعي الأمني والمالي والمعلوماتي. تفيد دراسة أجريت مؤخراً ونشرته محطّة “روسيا اليوم” أن في فترة 2008-2018 تمّ توظيف 380 ضابطاً رفيع المستوى في شركات مقاولة في الدفاع، من بينهم 68 لواء و32 أميرالاً ونائب أميرال. ويضيف الباحث مات اهرهت أن عدداً من القيادات العاملة في الجيش الأميركي معروف بتشدّدهم تجاه الحروب ويعارضون بشكل واضح الرئيس الأميركي لقراراته بالانسحاب من أفغانستان والعراق وسورية. هذا ما دفع الرئيس الأميركي للتصريح الأخير له بحق المؤسسة العسكرية أن القيادة العسكرية تكرهه بينما القاعدة أي الجنود يحبّونه. ويعتبر أن مصلحة القيادات العسكرية هي فوق مصلحة البلاد ويصرّون على التورّط في حروب لا منفعة منها للولايات المتحدة سوى إثراء الشركات المقاولة التي تجني أرباحاً طائلة.

بالتوازي مع تهيئة الأجواء لإجراء انقلاب عسكري في حال استمر الرئيس الأميركي في البيت الأبيض هناك أيضاً خطر آخر يهدّد التماسك الداخلي الأميركي. لقد حذر مدير المكتب الاتحادي للتحقيقات (اف بي أي) في جلسة استماع في الكونغرس من تنامي الميليشيات المسلّحة من البيض والسود وأن الاحتكاكات قد تحصل في أي لحظة. في السياق نفسه عرضت محطة أي تي في البريطانية تقريراً مصوّراً للميليشيات السود التي تنتشر في العديد من المدن الأميركية.

ويعتبر العديد من المراقبين الأميركيين أن تصاعد أعمال الشغب والعنف أعمال مبرمجة هدفها تهيئة مناخ لفرض الأحكام العرفية وتبرير تدخل القوّات المسلّحة لفرض أمر واقع سياسي جديد. هذا ما يحذّر منها أيضاً بول كريغ روبرتس وآخرون خاصة أن التقارير تتكاثر حول محاضرات يلقيها ضبّاط كبار حول ضرورة إمساك الوضع.

سردنا هذه المعلومات وليست كلّها في ذلك الموضوع وفحوى تقارير حول المناخ السائد في الولايات المتحدة للتأكيد أن الخريف سيكون ساخناً للغاية وقد يمتد إلى الربيع. ليس بمقدور أحد أن يتكهّن عما ستسفر عليه الأمور وإن كان بعض المحلّلين لا يخفون تشاؤمهم حول تماسك الولايات المتحدة. ليس في الأفق من يستطيع أن يعيد توحيد الولايات المتحدة في ظل أزمة اقتصادية بنيوية وحالة اجتماعية متفسّخة يسودها التعصّب والعنصرية. كما أن الطبقة السياسية في معظمها مرتبطة بالاوليغارشية المالية والمجمع العسكري الصناعي والأمني والمالي وبالتالي التغيير من الداخل قد يصبح مستعصياً. وانهيار الدولة يعني انهيار المجتمع. فالدولة أقوى من المجتمع في الولايات المتحدة وبالتالي المصير سيكون مجهولاً. الولايات المتحدة تدخل اليوم في حقبة لا استقرار بنيوياً قد ينسف مكانتها في العالم إن لم ينسف وجودها في الداخل.

*كاتب وباحث اقتصادي سياسي والأمين العام السابق للمؤتمر القومي العربي.

(البناء)