Get Adobe Flash player

بشكل غير مسبوق في تاريخ لبنان المستقلّ وبمسعى من رئيس حكومة سابق أخرج من النيابة وسدّت في وجهه كلياً أبواب الوزارة بسبب ما قام به ضدّ لبنان وضدّ بعض مكوّناته الرئيسية… بشكل مفاجئ التقى 4 رؤساء حكومات سابقين وتوافقوا على تشكيل ما يرونه “مجلس حكم سني” بهدف القبض على كرسي رئاسة الحكومة والتحكم في اختيار من يشغلها وعبره التحكم بتشكيل الحكومات بشكل يطيح بالدستور وبالأعراف القائمة ويجعل من قرار لبنان رهينة للقوى الخارجية التي توجه بعض هؤلاء (أميركا وفرنسا).

 

كان من بواكير أعمال “مجلس الحكم” هذا إسقاط “الشرعية الطائفية” عن الرئيس حسان دياب، ورفض الاعتراف بأي قوة تمثيلية لأيّ سياسي سني إنْ لم يكن خاضعاً عبرهم للإملاء الأميركي السعودي، وعلى سبيل المثال ورغم انّ اللقاء التشاوري مؤلف من 6 نواب سنة (أيّ ما يكاد يلامس ربع النواب السنة في البرلمان 6\27) فإنه مجلس الحكم لم يعترف بوجوده وبأيّ قوة تمثيلية له، كما لا يعتدّ بأيّ وزن طائفي لأيّ نائب سني خارج خيمة “مجلس الحكم” مهما علا شأنه وتوسّعت دائرة تمثيله.

بيد انّ “مجلس الحكم” هذا ورغم ادّعائه بحصرية التمثيل والشرعية السنية عجز عن تعيين أحد أعضائه رئيساً للحكومة رغم استماتة هذا العضو في سعيه للعودة الى هذا الموقع الذي يعتبره ملكية مسجلة وحصرية له، ورغم دعم قوى سياسية في طليعتها الثنائي الشيعي الذي استمرّ متمسكاً به حتى الرمق الأخير، فشل مرتبط بسببين: داخلي متصل برفض القوى المسيحية الرئيسية له (تيار وطني حر، قوات لبنانية، كتائب) وخارجي يتمثل برفض السعودية وأميركا له لاعتبارات بعضها معلن والبعض الآخر متستر عليه.

ان تصدّي “مجلس الحكم” لمهمة تشكيل الحكومة بعد تعيين رئيسها وبهذا الشكل الحصري يُعتبر أمراً منافياً للدستور ويطيح بكلّ المواثيق والأعراف الناظمة للنظام الطائفي الذي يعتمده لبنان. ففي حين رسا في الطائف الحلّ على انّ السلطة التنفيذية هي بيد مجلس الوزراء مجتمعاً، وانّ الطوائف تمثل بشكل عادل في مجلس الوزراء، واستقام العرف على انّ كلّ طائفة تعيّن من يمثلها ويكون هؤلاء صورة عن “الأكثرية النيابية في كلّ طائفة”، فإنّ مجلس الحكم الرباعي أراد وبكلّ بساطة أن يعيّن رئيس الحكومة المكلف بالتشكيل، وكان له ما أراد وسلّمت له القوى الأخرى بخياره، ثم انّ مجلس الحكم أراد أن يشكل هو الحكومة بعيداً عن رئيس الجمهورية وعن الكتل النيابية وان يفرض الوزراء على كلّ الطوائف، ما يعني انّ مجلس الحكم أراد وبكلّ بساطة ان يمارس الوصاية لا بل الحكم الحقيقي ويكون هو مرجعية الحكومة دون الأخذ بما تنص عليه الأعراف ويثبته الدستور وهنا كان الرفض وكانت معضلة تهدّد بالانفجار.

في الأنظمة الديمقراطية حيث حكم الاكثريات الوطنية، يكون سهلاً تشكيل الحكومات بقرار من رئيس الحزب الفائز الذي يختار بنفسه من يوزّره، أما في النظام الطائفي الذي ينص الدستور فيه على حق الطوائف في التمثيل، فإنّ اتباع الصيغة الأولى أمر غير ممكن وبالتالي على اللبنانيين الاختيار بين نظام طائفي والأخذ بكلّ ما يقتضيه وبين نظام وطني والخضوع لما يلتزمه ويفرضه، اما أن نأخذ بالطائفية ونأخذ بآلية النظام الوطني فإنّ هذا أمراً عجيباً لا يصحّ لأنه يقيم حكم الأقلية الطائفية وديكتاتورية طائفية ويؤدي الى الإقصاء والإلغاء. وطبعاً سيكون أمراً مرفوضاً من المكوّنات الطائفية الأخرى التي لا يمكن أن ينتظر من أحدها التوقيع على إلغاء ذاته والقبول بحكم إعدامه.

ويزيد من دوافع الرفض للسلوك المتقدّم أيضاً، ما اشتهر به أعضاء مجلس الحكم من ممارسات على أكثر من صعيد من شأنه أن يطيح بأي ثقة بهم منفردين أو مجتمعين، حيث ان أحدهم حكم بحكومة فاقدة الميثاقية وفقاً للتوصيف المعمول به ومارس الحكم عبر مجلس وزراء لا شيعة فيه لمدة 18 شهراً دون ان يرفّ له جفن، إضافة الى إبداعاته في السياسة الخارجية والسياسة المالية. وآخرين منهم تثور حولهم شبهات الضعف في إدارة الحكم والفساد ونهب او هدر المال العام إلخ…

انّ فهمنا لقواعد الحكم العادل والنظام الوطني يؤدي الى رفض أيّ نظام يقوم على أساس التحاصص الطائفي، ولذا ندعو الى الدولة المدنية العادلة والقوية حيث يعتمد نظام المواطنة الذي يدخل الفرد الى الدولة بدرجة واحدة خلافاً لنظام الطوائف حيث انّ الوصول الى الدولة يكون على درجتين درجة الطائفة ودرجة الوطن، لكننا مع هذا وحتى قيام تلك الدولة فإننا لا يمكن ان نتقبّل النظام الهجين الذي يأخذ من كلّ نظام مساوئه ويتيح إقامة ديكتاتورية الأقلية على أنقاض حكم الأكثرية.

انّ روح النظام اللبناني وفلسفته كما هو معتمد الآن تؤكد انه “نظام فيدرالية الطوائف” القائم على وحدة الأرض بشكل مقيّد مع المحاصصة السياسية الطائفية العميقة، وهو نظام لا يضاهيه في السوء الا الأنظمة الاستبدادية الظالمة التي قد تكون أفضل منه أيضا، ويريد “مجلس الحكم” ان ينتقل من هذا النظام السيء لما هوأسوأ بإقامة ديكتاتورية الأقلية داخل الوطن مع إقصاء طائفة كبرى عن حق المشاركة الفعلية في أعمال السلطة الإجرائية، ولهذا يرفض ان يتولى شيعي حقيبة المالية، وهذا امر لا يمكن ان يقبل به أو يخضع له إلا ضعيف يقبل بسلب حقوقها وتاجر مفلس يبيعها في سوق الكساد. فكيف يبرّر مجلس الحكم لنفسه ان يتولى تعيين كلّ الحكومة ويقصي الآخرين عن مجرد الرأي؟ ثم يدّعي انّ من أراد أن يحفظ حقوقه يجهض مبادرة إنقاذ لبنان؟!

انّ لبنان يعاني من نتائج سوء سياسة حكومات رئيس وأعضاء “مجلس الحكم الرباعي”، وهذا المنطق يفرض إقصاءه عن الحلّ لا تسليمه مقاليد الأمور كلها، فمعظم من في هذا المجلس موتور أو راغب بالرئاسة لنفسه رافض للآخرين يعمل بذهنية “أنا أولا أحد“، ولذلك فإنهم يتصرفون بشكل يحرقون فيه الأسماء ويطرحون ما يعرفون انّ الآخر لن يقبل به وما يخالف قواعد النظام الطائفي المقيت القائم، ولذلك نرى أنّ هؤلاء يريدون إفشال المبادرة الفرنسية وتحميل الآخرين مسؤولية الإسقاط.

وهنا نسجل السلوك الحكيم الذي قام به الرئيس ميشال عون الذي بحصافته أجهض مسعاهم عبر قيامه بمشاورات ضيقة مع رؤوساء الكتل النيابية ليستند اليها ويُفهم رئيس الحكومة المكلف بخطأ مقاربته للأمور وعقم آلية التشكيل التي اعتمدها وجعله يلمس بأنّ مصلحته ومصلحة لبنان تتجسّد في العودة الى الأصول والأعراف بشكل مقيّد وملطف ومشذب ومسيطر عليه للتخفيف ما أمكن من سيئاتها وبالتالي إفهام “مجلس الحكم” انّ طموحه لحكم لبنان او السيطرة على حكومته او إسقاط المبادرة الفرنسية وتحميل المسؤولية للغير محاولات ومناورات خبيثة لن تمرّ… لقد نجحوا في العام 2005 ولكن المؤمن لا يُلدغ من الجحر مرتين.

أما بالنسبة للفرنسيين فقد بات عليهم ان يدركوا، وربما أدركوا، بأنّ هناك من يتصرف بخبث ويريد ان يستغلهم بسوء نية، لتحقيق مكاسب خاصة وخدمة مشاريع مناقضة، وانّ عليهم إضاءة الضوء الأحمر بوجهه لإنقاذ مبادرتهم، وبالتالي تحقيق ما وعدوا به من سعي لإنقاذ لبنان.

وعليه فإنّ لبنان الآن أمام أيام حرجة وحساسة جداً، حيث انّ الخيار بات بين إنقاذ لبنان بتحشيد طاقات الجميع دون إقصاء أحد إلا من يبتعد ويقصي نفسه، ودون استئثار من أحد، أو إسقاط المبادرة الفرنسية وإسقاط ما كان يعوّل اللبنانيون عليه لإنقاذ وطنهم، انقاذ لن يتحقق إلا عبر حكومة يشارك فيها الجميع ما أمكن ولا يستأثر بقرارها طرف دون الآخرين، حكومة تنفذ الإصلاحات الضرورية دون الخضوع الكلي للزعامات وأمراء الطوائف، حكومة يكون نهجها وطني رغم تركيبتها الطائفية، فهل ستشكل هذه الحكومة أم تسقط المبادرة وتضيع فرصة الإصلاح وتطوير النظام دون انفجار في الشارع وعندها يكون “مجلس الحكم السني الرباعي” قد نجح في مسعاه الانتقامي من لبنان؟

* أستاذ جامعي ـ باحث استراتيجي

(البناء)